قراءة في نمو الاقتصاد الإندونيسي بنسبة 5.61٪ خلال الربع الأول من عام 2026
محمد نور ريانتو العارف
(أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية،
الأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لرابطة المحاضرين الإندونيسيين،
عضو المجلس التنفيذي المركزي للجمعية الإندونيسية للاقتصاد الإسلامي،
عضو جمعية الاقتصاديين الإندونيسيين – فرع جاكرتا)
في خضم المشهد الاقتصادي العالمي الذي لا يزال تكتنفه حالة من عدم اليقين الجيوسياسي، وضغوط أسعار الطاقة، وتقلبات الأسواق المالية، سجّل الاقتصاد الإندونيسي في الربع الأول من عام 2026 إنجازًا يستحق التقدير. فقد أعلنت الهيئة المركزية للإحصاء (BPS) أن الاقتصاد الوطني حقق نموًا بنسبة 5.61 بالمئة على أساس سنوي، ليكون من بين أعلى معدلات النمو خلال السنوات الأخيرة، متجاوزًا كذلك توقعات الأسواق.
غير أن وراء هذا الإنجاز تكمن ديناميكيات أخرى لا تقل أهمية. ففي الفترة نفسها، سجّل الموازنة العامة للدولة (APBN) عجزًا بلغ نحو 240 تريليون روبية، أي ما يعادل 0.93 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وتشكل هاتان الحقيقتان معًا صورة اقتصادية معقدة: نمو اقتصادي قوي من جهة، وضغوط مالية بدأت تظهر من جهة أخرى.
وعلاوة على ذلك، لا يمكن فصل هذا النمو عن العوامل الموسمية المميزة لإندونيسيا، مثل شهر رمضان وتقاليد العودة إلى القرى خلال عيد الفطر، والتي تُعد تاريخيًا من أبرز محركات الاستهلاك المحلي. وهذا يثير تساؤلًا مهمًا: هل يعكس النمو البالغ 5.61 بالمئة تحسنًا هيكليًا حقيقيًا في الاقتصاد، أم أنه نتاج عوامل موسمية مؤقتة؟
لا يزال هيكل الاقتصاد الإندونيسي يُظهر النمط التقليدي الذي يعتمد على الاستهلاك الأسري بوصفه المحرك الرئيسي للنمو. إذ يساهم الاستهلاك بأكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي، وقد سجل نموًا بنحو 5.52 بالمئة على أساس سنوي في الربع الأول من عام 2026.
وقد أدى شهر رمضان وحتى ذروة عيد الفطر إلى تنشيط الاقتصاد بصورة كبيرة، بدءًا من شراء السلع الأساسية ومنتجات الأزياء، مرورًا بزيادة المعاملات الرقمية، وصولًا إلى ارتفاع حركة تنقل السكان أثناء العودة إلى مسقط الرأس.
كما سجل قطاع الإقامة والطعام والشراب نموًا من رقمين، في حين شهد قطاع النقل والخدمات اللوجستية ارتفاعًا ملحوظًا. وهكذا، لم يعد رمضان والعودة إلى القرى مجرد ظاهرة اجتماعية ودينية، بل أصبحا أيضًا حافزًا اقتصاديًا سنويًا واضحًا.
وتتميز ظاهرة “الموديك” أو العودة إلى القرى بخصائص فريدة. فإلى جانب كونها تقليدًا اجتماعيًا، تؤدي دورًا في إعادة توزيع النشاط الاقتصادي من المدن إلى المناطق الريفية. إذ تتدفق الأموال عبر الإنفاق في مسقط الرأس، وتقديم الأموال للأقارب، وتنشيط الأسواق التقليدية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
ويمتد الأثر الاقتصادي لهذه الظاهرة إلى نطاق واسع، حيث لا يقتصر دوران الأموال على المراكز الاقتصادية الكبرى مثل جاكرتا، بل يصل أيضًا إلى المناطق المختلفة. وهذا ما يفسر الارتفاع الملحوظ في قطاعات التجارة والنقل والخدمات خلال الربع الأول من عام 2026.
لكن الطبيعة الموسمية لهذا النمو تبقى مسألة مهمة، لأن النمو المعتمد على الاستهلاك غالبًا ما يكون غير مستدام، ولا يعكس دائمًا زيادة في القدرة الإنتاجية.
وإلى جانب الاستهلاك، لعب الإنفاق الحكومي دورًا مهمًا في دعم النمو. ففي بداية العام، ارتفع الإنفاق الحكومي بشكل ملحوظ، متجاوزًا 20 بالمئة، بما في ذلك صرف مكافآت العيد لموظفي الدولة، والمساعدات الاجتماعية، وبرامج الأولوية الحكومية.
وقد أسهمت هذه السياسات في الحفاظ على القوة الشرائية وتحفيز النمو قصير الأجل. إلا أن نتيجتها كانت زيادة الضغط على الموازنة العامة. فالعجز البالغ 240 تريليون روبية في الربع الأول من عام 2026 يشير إلى توسع مالي كبير، بزيادة تجاوزت 140 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وهنا يظهر التحدي التقليدي في السياسات الاقتصادية: هل يتم التركيز على الحفاظ على النمو أم على سلامة الوضع المالي؟
ومن الناحية الفنية، لا يزال العجز الذي يعادل 0.93 بالمئة من الناتج المحلي ضمن الحدود الآمنة. ومع ذلك، ينبغي اعتباره إشارة تستدعي الانتباه لاحتمال تصاعد الضغوط المالية مستقبلًا.
ومن بين العوامل التي تستحق المتابعة: تسارع الإنفاق في بداية العام، مما قد يضيّق الحيز المالي في النصف الثاني، والاعتماد على التمويل بالدين، إضافة إلى المخاطر الخارجية مثل ضعف سعر الصرف وارتفاع أسعار الطاقة العالمية.
ومع ذلك، ففي ظل حالة عدم اليقين العالمي، غالبًا ما يُنظر إلى السياسات المالية التوسعية باعتبارها خيارًا عقلانيًا.
وبعيدًا عن الاستهلاك والإنفاق الحكومي، تبقى الاستثمارات والصادرات عنصرين مهمين أيضًا. ففي الربع الأول من عام 2026، نمت الاستثمارات بنحو 5.96 بالمئة على أساس سنوي، أي بمعدل أعلى قليلًا من نمو الاستهلاك. لكن هذا النمو لم يكن كافيًا بعد ليصبح المحرك الأساسي للاقتصاد.
ولا تزال الاستثمارات تواجه تحديات عديدة، من بينها عدم اليقين العالمي، وتقلبات سعر الصرف، والمشكلات التنظيمية.
أما الصادرات، فما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على السلع الأساسية، ما يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار العالمية. ويُعد هذا الاعتماد إحدى نقاط الضعف الهيكلية التي ينبغي معالجتها.
وغالبًا ما يُنظر إلى ارتفاع النمو الاقتصادي باعتباره مؤشرًا على النجاح. لكن السؤال الأهم هو: من الذي يستفيد من هذا النمو؟
ففي السياق الإندونيسي، لا يزال التفاوت الاقتصادي يمثل تحديًا، كما يبقى القطاع غير الرسمي هشًا، بينما لم تشهد إنتاجية العمالة تحسنًا كبيرًا. وهذا يعني أن النمو البالغ 5.61 بالمئة لا يعكس بالضرورة رخاءً متساويًا بين مختلف فئات المجتمع.
وفي المستقبل، يتمثل التحدي الأساسي في الحفاظ على زخم النمو من دون التضحية بالاستقرار المالي. ويتطلب ذلك اتخاذ خطوات استراتيجية تشمل تعزيز الاستثمارات الإنتاجية، وتقوية سياسات التصنيع التحويلي، وضبط العجز المالي تدريجيًا، ورفع جودة الموارد البشرية.
ومن دون هذه الجهود، قد يعود النمو إلى نمطه التقليدي: مرتفع في الأرقام، لكنه هش من الناحية الهيكلية.
إن تحقيق الاقتصاد الإندونيسي نموًا بنسبة 5.61 بالمئة في الربع الأول من عام 2026 يُعد خبرًا إيجابيًا وسط حالة عدم اليقين العالمي، ويعكس قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود. لكن هذا الإنجاز لا ينبغي أن يؤدي إلى الشعور بالاطمئنان المفرط.
فوراء هذه الأرقام توجد عوامل استهلاكية موسمية، وتوسع مالي أدى إلى زيادة العجز، فضلًا عن تحديات هيكلية لم تُحل بعد. ولذلك، ينبغي النظر إلى هذا النمو باعتباره زخمًا يجب الحفاظ عليه، لا مجرد إنجاز يُحتفى به.
وفي النهاية، لا يُقاس النجاح الاقتصادي فقط بارتفاع معدلات النمو، بل أيضًا بقوة الأسس الاقتصادية، وعدالة توزيع المنافع، واستدامة مسار التنمية. وهنا تحديدًا تواجه إندونيسيا اختبارًا حقيقيًا: هل تستطيع التحول من اقتصاد قائم على الاستهلاك إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وشمولًا واستدامة؟
نُشر هذا المقال في CNBC Indonesia يوم الأربعاء، 06 مايو 2026.
حقوق الصورة: (CNBC Indonesia / محمد سبكي)
الوسوم:
أستاذ بجامعة Universitas Islam Negeri Syarif Hidayatullah Jakarta
