إعادة قراءة معنى «امتياز مع مرتبة الشرف» (Cum Laude)
أحمد طولبي خارلي
(أستاذ في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا وعضو مجلس التعليم العالي)
لقد احتلت مرتبة «بامتياز مع مرتبة الشرف» (cum laude) منذ زمن طويل مكانة رمزية في عالم التعليم العالي. فهذه المرتبة تعكس تحصيلًا أكاديميًا رفيعًا، واجتهادًا في التعلّم، وانضباطًا فكريًا، وقدرة على الحفاظ على جودة الأداء بصورة متواصلة طوال فترة الدراسة. وفي كثير من الأحيان، يُنظر إلى هذا التقدير بوصفه علامة تميّز تفصل الخريج عن غالبية الطلاب الآخرين.
ومن هنا، عندما يتزايد عدد الخريجين الحاصلين على مرتبة cum laude في مختلف الجامعات، يبرز تساؤل جديد حول كيفية فهم معنى الإنجاز الأكاديمي في الوقت الراهن.
وقد أثار هذا التغيّر ردود فعل متعددة؛ فهناك من يراه مؤشرًا على تحسّن جودة التعليم واتساع الوصول إلى مصادر المعرفة، بينما يشعر آخرون بالقلق من احتمال تغيّر المعايير الأكاديمية. فعندما يصبح الإنجاز الذي كان يُعدّ استثنائيًا أمرًا شائعًا، يظهر تخوّف من أن تفقد هذه المرتبة تدريجيًا قدرتها على التمييز.
إن هذا القلق جدير بالتقدير بوصفه تعبيرًا عن الحرص على جودة التعليم. فالمعايير الأكاديمية ينبغي الحفاظ عليها حتى لا يبهت معنى الإنجاز. غير أن تفسير هذه الظاهرة باعتبارها مجرد تراجع في الجودة يبدو تفسيرًا غير كافٍ، لأن مشهد التعليم العالي شهد تحولات أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في مؤشر رقمي واحد.
وخلال السنوات الأخيرة، أظهرت المعدلات الأكاديمية لطلاب الجامعات في إندونيسيا اتجاهًا تصاعديًا واضحًا. فقد أشارت تقارير وطنية عديدة إلى أن متوسط المعدل التراكمي لخريجي مرحلة البكالوريوس تجاوز 3.30، بل تخطى في كثير من الجامعات الكبرى 3.50.
وفي الوقت نفسه، أظهرت دراسات دولية حول ظاهرة تضخم الدرجات (grade inflation) في جامعات الولايات المتحدة وأوروبا اتجاهًا مشابهًا، حيث ارتفعت نسبة الدرجات العليا بشكل ملحوظ خلال العقدين الأخيرين. وهذا يدل على أن الظاهرة التي نواجهها ليست حالة محلية معزولة، بل جزء من ديناميكية عالمية يشهدها التعليم العالي.
توزيع التميّز
يشهد التعليم العالي في إندونيسيا انتقالًا من نظام نخبوي إلى نظام أكثر انفتاحًا وشمولًا. فقد اتسعت فرص الالتحاق بالجامعات، وأصبحت آليات القبول أكثر معيارية، كما تحسّنت جودة الطلاب المقبولين بشكل ملحوظ. وفي الوقت ذاته، أسهم التطور التكنولوجي في توفير مصادر المعرفة بصورة أوسع وأكثر عدالة.
وفي هذا السياق، فإن تزايد عدد الخريجين الحاصلين على مراتب عالية لا يعني بالضرورة انخفاض المعايير. بل يمكن فهم الظاهرة باعتبارها تحولًا في توزيع التميّز. فما كان في الماضي حكرًا على قلة من الطلاب، أصبح اليوم إنجازًا متاحًا لشريحة أوسع بفضل تحسن أنظمة التعليم وانفتاح فرص التعلم.
ولم يعد التميز نادرًا لأن قيمته تراجعت، بل لأن عددًا أكبر من الأفراد أصبح قادرًا على تحقيقه. كما أن التعليم العالي الحديث لم يعد قائمًا على منطق الحفاظ على حصرية التميز، بل على توسيع نطاق الجودة بصورة أكثر شمولًا. وفي هذا الإطار، يبقى المعدل التراكمي مهمًا، لكنه لم يعد المعيار الوحيد للنجاح الأكاديمي.
وقد ظهرت منذ زمن انتقادات للمعدل التراكمي بسبب محدوديته في تمثيل القدرات المعقدة للطلاب. كما أن سوق العمل بات ينظر إلى المعدل باعتباره أحد المؤشرات فقط، إلى جانب معايير أكثر جوهرية. وتشير العديد من الدراسات المتعلقة بالتوظيف إلى أن أصحاب العمل يولون أهمية أكبر للتفكير النقدي، ومهارات التواصل، والخبرة العملية، مقارنة بالأرقام الأكاديمية وحدها.
واستجابة لهذه التطورات، تبنّت الجامعات مقاربات أكثر شمولًا، مثل المناهج القائمة على مخرجات التعلم، وتعزيز المشاريع التعاونية، وبرامج التدريب المهني، وشهادات الكفاءة المهنية، لتصبح جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية. وفي هذا الإطار، يغدو المعدل التراكمي جزءًا من منظومة تقييم أوسع، وليس العامل الحاسم الوحيد.
ومن ثم، فإن تحوّل معنى cum laude لا يمكن فصله عن التحولات التي طرأت على نظام التقييم نفسه. فما تغيّر ليس الأرقام فقط، بل طريقة فهمنا للإنجاز الأكاديمي. ويذكّرنا فكر Ernest L. Boyer في كتاب Scholarship Reconsidered: Priorities of the Professoriate بأن التميز الأكاديمي يشمل الاكتشاف، والتكامل، والتطبيق، والتعليم، ولا يقتصر على المقاييس الكمية وحدها.
وفي أفق أوسع، فإن مبدأ الجدارة لم يتراجع، بل أعاد تشكيل نفسه. فالعالم المهني اليوم يتطلب قدرات تكيفية، ومهارات تعاون، وكفاءة في حل المشكلات الواقعية. ولذلك تتحرك الجامعات في الاتجاه نفسه من خلال تعزيز التفكير النقدي، والتواصل، وحل المشكلات ضمن العملية التعليمية.
وبذلك، فإن التميز الحقيقي يتجلى في القدرات الفعلية التي يحملها الخريجون إلى المجتمع، متجاوزًا مجرد التمثيل الرقمي. وفي هذا السياق، يمكن فهم المخاوف من تراجع الجدارة بصورة أكثر توازنًا، مع تطور مؤشرات جديدة تعكس الإنجاز.
النزاهة الأكاديمية
وسط هذه الديناميات، لا بد من التعامل بجدية مع قلق الرأي العام. فالجامعات تتحمل مسؤولية أخلاقية وأكاديمية للحفاظ على نزاهة العملية التعليمية. ويظل الاتساق في معايير التقييم، ووضوح أدوات التقويم، والتنسيق بين أعضاء هيئة التدريس، من الأسس التي لا يمكن تجاهلها.
كما أن تعزيز المعايير لا يكفي أن يبقى في إطار المبادئ العامة، بل يجب على الجامعات تطوير آليات لمراجعة الدرجات بين الأساتذة، حتى لا تتفاوت معايير التقييم بين الصفوف أو التخصصات. وينبغي إعداد معايير تقييم قائمة على مخرجات التعلم بصورة شفافة وموثقة، بحيث يمكن قياس إنجازات الطلاب بموضوعية واتساق.
إضافة إلى ذلك، ينبغي إجراء مراجعات أكاديمية دورية لتوزيع الدرجات، لضمان عدم وجود انحرافات غير طبيعية في منح العلامات. ويمكن تعزيز ذلك من خلال منتديات لمعايرة التقييم تضم أساتذة من مختلف المقررات والتخصصات. وبهذه الطريقة، تُصاغ المعايير الأكاديمية وتُصان بصورة جماعية ومتكاملة.
كما يجب أن تعمل أنظمة ضمان الجودة الداخلية بصورة مستدامة وقابلة للقياس. فمراجعة المناهج، والتدقيق الأكاديمي، وتتبع أداء الخريجين من خلال الدراسات التتبعية (tracer study)، تُعد أدوات مهمة للتأكد من أن الإنجاز الأكاديمي يتناسب فعلًا مع الكفاءة في سوق العمل. ولا ينبغي استخدام بيانات الخريجين فقط لاستكمال متطلبات الاعتماد الأكاديمي، بل يجب أن تصبح أساسًا لتطوير المناهج وأساليب التعليم.
ويمثل تعزيز ملفات الإنجاز الطلابية خطوة مهمة أيضًا لاستكمال مؤشرات الأداء الأكاديمي. فالمشاريع البحثية، والخبرات التدريبية، والأعمال الابتكارية، يمكن أن تكون أدلة ملموسة على الكفاءات التي لا يعكسها المعدل التراكمي بالكامل.
ومن هذا المنظور، فإن المهمة الأساسية للجامعات ليست الحد من عدد الطلاب المتفوقين، بل ضمان أن يكون كل إنجاز أكاديمي قائمًا على عملية تعليمية موثوقة وشفافة وخاضعة للمساءلة.
وفي نهاية المطاف، يقودنا الجدل حول cum laude إلى سؤال أعمق يتعلق باتجاه التعليم العالي: هل ينبغي للتعليم أن يحافظ على التميز بوصفه رمزًا حصريًا، أم أن يفتح المجال أمام عدد أكبر من الناس لتحقيق التميز؟
إن التعليم العالي لم يُصمَّم للحفاظ على المسافة بين المتفوقين وغيرهم، بل ليتطور في اتجاه يوسّع الإمكانات، ويعزز القدرات الجماعية، ويحقق جودة أكثر عدالة وانتشارًا. وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى تزايد عدد الخريجين المتفوقين باعتباره فرصة تتطلب إدارة أكثر حكمة.
وما ينبغي الحفاظ عليه هو المعنى الكامن في هذه المرتبة. فطالما جرت العملية التعليمية بنزاهة وشفافية ومساءلة، فإن كل إنجاز أكاديمي يظل محتفظًا بقيمته الأصيلة.
إن التغيير غالبًا ما يثير القلق. لكن التعليم العالي مطالب بالاستمرار في التطور، والتكيّف مع تحولات العصر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على القيم الأساسية التي يقوم عليها.
ولم يعد التميز حكرًا على قلة من الناس، بل أصبح ضرورة يمكن لعدد أكبر من الأجيال السعي إليها عبر نظام تعليمي أكثر نضجًا وتحضرًا.
نُشر هذا المقال في detik.com يوم الجمعة 15 مايو 2026.
