هل تستطيع المصارف الإسلامية دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في إندونيسيا وسط حالة عدم اليقين؟

هل تستطيع المصارف الإسلامية دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في إندونيسيا وسط حالة عدم اليقين؟

Mohammad Nur Rianto Al Arif
(أستاذ بجامعة UIN Syarif Hidayatullah،
الأمين العام لـ Asosiasi Dosen Indonesia،
عضو إدارة IAEI،
وعضو ISEI Cabang Jakarta)

في خضم تباطؤ الاقتصاد العالمي والضغوط المتزايدة على الاستهلاك المحلي، بدأت كلمة واحدة تتردد كثيرًا بين مختلف فئات المجتمع، وهي: “الادخار” أو “التقشف”. لقد دخل المجتمع في وضعية البقاء والصمود.

فالأسر باتت تقلل من إنفاقها، والطبقة المتوسطة بدأت تعيد ترتيب أولويات مصروفاتها، بينما يواجه أصحاب المشروعات الصغيرة سوقًا يزداد ركودًا يومًا بعد يوم. ففي الأكشاك الصغيرة والمتاجر التقليدية وحتى المشروعات المنزلية، تتكرر الشكاوى نفسها: تراجع عدد المشترين، ارتفاع تكاليف الإنتاج، وصعوبة الحصول على التمويل.

يعكس هذا الوضع مشكلة أساسية يعاني منها الاقتصاد الإندونيسي حاليًا، وهي ضعف القدرة الشرائية للمجتمع. وفي مثل هذه الظروف، تصبح المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة (UMKM) الفئة الأكثر هشاشة. ومع ذلك، فإن هذه المشروعات كانت دائمًا العمود الفقري للاقتصاد الوطني، إذ غالبًا ما تتحول في أوقات الأزمات إلى شبكة أمان اجتماعي وأكبر مصدر لفرص العمل.

ومن هنا يبرز السؤال: في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة، هل تستطيع المصارف الإسلامية أن تكون أكثر من مجرد مؤسسات مالية، وأن تتحول إلى دعامة حقيقية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة؟

هذا السؤال مهم، لأن المصارف الإسلامية لطالما قُدمت على أنها رمز لنمو الاقتصاد الإسلامي الوطني. لكن في الوقت الذي يواجه فيه عامة الناس ضغوطًا اقتصادية حقيقية، فإن المجتمع ينتظر مساهمة ملموسة، لا مجرد خطابات عن نمو الأصول والتوسع التجاري.

تشير البيانات إلى أن الأوضاع الاقتصادية للمجتمع ليست على ما يرام. فقد أشارت هيئة الخدمات المالية الإندونيسية (OJK) إلى ضعف الطلب المحلي، وهو ما يتجلى في تراجع مبيعات المنازل والسيارات وقطاعات استهلاكية أخرى. وفي الوقت نفسه، بدأت قروض المشروعات الصغيرة والمتوسطة تشهد تحسنًا طفيفًا في عام 2026، إلا أن معدل نموها لا يزال محدودًا للغاية، إذ بلغ نحو 0.12% فقط على أساس سنوي حتى مارس 2026.

وخلف هذه الأرقام تكمن حقيقة اجتماعية أكثر تعقيدًا. فالكثير من أصحاب المشروعات الصغيرة يعيشون اليوم حالة من التناقض؛ فمن جهة يحتاجون إلى تمويل إضافي للبقاء، ومن جهة أخرى تتراجع قدرتهم على سداد الأقساط بسبب ركود السوق.

في مثل هذه الظروف، كان من المفترض أن تمتلك المصارف الإسلامية مساحة استراتيجية لتقديم نموذج مختلف. فالاقتصاد الإسلامي لم يُبنَ أساسًا لتحقيق الربح فقط، بل لتحقيق العدالة الاقتصادية، والتوزيع العادل للثروة، ودعم القطاع الحقيقي. كما أن مبادئ تقاسم الأرباح، والشراكة التجارية، ومنع المضاربة، تجعل المصارف الإسلامية أقرب أخلاقيًا إلى احتياجات المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

ومن هنا تبرز الانتقادات الموجهة إلى قطاع المصارف الإسلامية. فكثير من الناس يرون أن هذه المصارف لم تختلف بشكل حقيقي عن البنوك التقليدية. بل إن البعض يعتبر أن تكاليف التمويل الإسلامي غالبًا ما تكون أعلى وأكثر تعقيدًا من النظام التقليدي، وقد أصبح هذا الانتقاد موضوع نقاش عام في الآونة الأخيرة.

ولا يمكن الاستهانة بهذه المشكلة، لأن أصحاب المشروعات الصغيرة عندما يحتاجون إلى حلول سريعة وسهلة، فإنهم يميلون إلى اختيار التمويل الأكثر بساطة، حتى وإن كان عالي المخاطر. وانتشار القروض الرقمية عبر الإنترنت مثال واضح على ذلك، حيث وقع كثير من أصحاب الأعمال الصغيرة في فخ الديون الرقمية بسبب شعورهم بأن الوصول إلى المؤسسات المالية الرسمية معقد وبيروقراطي ولا يتناسب مع طبيعة أعمالهم السريعة.

ومع ذلك، فإن المصارف الإسلامية تملك من الناحية الفلسفية فرصة كبيرة لتقديم بديل أكثر إنسانية. فالنظام الإسلامي يقوم على مبدأ تقاسم المخاطر، لا نقلها بالكامل إلى العميل. وهذا النهج مناسب جدًا للمشروعات الصغيرة التي تواجه بطبيعتها حالة من عدم اليقين في الإيرادات.

لكن الواقع يشير إلى أن التمويل الإسلامي في إندونيسيا لا يزال يعتمد بشكل كبير على عقود المرابحة أو البيع، والتي تبدو في التطبيق مشابهة للقروض التقليدية. أما صيغ التمويل القائمة على الشراكة مثل المضاربة والمشاركة، فما زالت محدودة بسبب اعتبارها أكثر مخاطرة بالنسبة للبنوك.

ونتيجة لذلك، وقعت المصارف الإسلامية في المنطق التجاري نفسه الذي تتبعه البنوك التقليدية، أي البحث عن القطاعات الأكثر أمانًا وربحية. أما المشروعات الصغيرة التي تُعد عالية المخاطر، فلا تزال تجد صعوبة في الحصول على التمويل.

ومن جهة أخرى، فإن تحديات المشروعات الصغيرة اليوم لا تتعلق فقط برأس المال، بل تشمل أيضًا الإنتاجية، والتحول الرقمي، والوصول إلى الأسواق، وكفاءة سلاسل التوريد. وهذا يعني أن دعم هذه المشروعات لا يكفي أن يقتصر على تقديم التمويل فقط.

لذلك، فإن مستقبل المصارف الإسلامية يعتمد في الحقيقة على قدرتها على الخروج من النموذج التقليدي القديم. فلا يمكن للمصرف الإسلامي أن يظل مجرد “بنك عادي يحمل علامة إسلامية”، بل يجب أن يتحول إلى منظومة متكاملة لتمكين الاقتصاد المجتمعي.

وقد بدأت بعض الخطوات في هذا الاتجاه بالفعل. فعلى سبيل المثال، تعمل Bank Syariah Indonesia على تعزيز نهج “سلسلة القيمة” لدعم نمو المشروعات الصغيرة ضمن منظومة الاقتصاد الحلال. وحتى نوفمبر 2025، بلغت تمويلات المشروعات الصغيرة لدى البنك نحو 51.78 تريليون روبية. ويُعد هذا النهج مهمًا لأن المشروعات الصغيرة لا تستطيع النمو بمفردها، بل تحتاج إلى الأسواق، والتوجيه، والتحول الرقمي، وضمان استقرار سلاسل التوزيع.

لكن التحدي الأكبر يتمثل في كيفية تعميم هذا النموذج بحيث لا يقتصر على عدد محدود من البنوك الكبرى. فالقطاع المصرفي الإسلامي في إندونيسيا لا يزال يواجه مشكلات هيكلية خطيرة.

فعلى الرغم من النمو الملحوظ في أصوله، لا تزال الحصة السوقية للمصارف الإسلامية صغيرة نسبيًا مقارنة بإجمالي القطاع المصرفي الوطني، إذ تشير بعض التقارير إلى أن حصتها لا تتجاوز 7.69% من إجمالي الأصول المصرفية الوطنية. ويُعد ذلك مفارقة، خاصة أن إندونيسيا تضم أكبر عدد من المسلمين في العالم.

وتعكس هذه المشكلة استمرار تحديات الثقة والتميّز والقدرة التنافسية. فكثير من الناس لا يرون سببًا قويًا يدفعهم للانتقال إلى المصارف الإسلامية، سواء من حيث الخدمات أو التكنولوجيا أو التكاليف، إذ يشعر البعض أن الفوارق ليست كبيرة بما يكفي.

وفي ظل تراجع القدرة الشرائية، تصبح هذه التحديات أكثر صعوبة، لأن الناس باتوا أكثر عقلانية في اختيار الخدمات المالية. فلم يعد الجانب الأيديولوجي وحده كافيًا، بل أصبحت الكفاءة والسهولة والفائدة العملية عوامل حاسمة. ولذلك، إذا أرادت المصارف الإسلامية أن تكون سندًا للمشروعات الصغيرة، فعليها أن تجري تحولًا جذريًا.

أولًا، يجب على المصارف الإسلامية أن تكون أكثر جرأة في تمويل القطاعات الإنتاجية الحقيقية، لأن التمويل الاستهلاكي لا يزال يهيمن على جزء كبير من نشاطها، رغم أن قوة الاقتصاد الإسلامي تكمن في دعم الأنشطة الاقتصادية المنتجة.

ثانيًا، ينبغي تطوير نماذج تمويل أكثر مرونة وتكيفًا مع طبيعة المشروعات الصغيرة، لأن كثيرًا منها لا يملك تقارير مالية منظمة أو ضمانات كبيرة، ولذلك يجب تعزيز التمويل القائم على المجتمعات المحلية والتجمعات الاقتصادية والأنظمة البيئية المحلية.

ثالثًا، يجب أن يصبح التحول الرقمي أولوية، لأن كثيرًا من المشروعات الصغيرة تتحرك بسرعة عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي والتجارة الإلكترونية. وإذا تأخرت المصارف الإسلامية في مواكبة هذا التحول، فسيتجه أصحاب الأعمال إلى شركات التكنولوجيا المالية والمنصات الرقمية الأخرى.

رابعًا، ينبغي توسيع نطاق التثقيف بالاقتصاد الإسلامي، لأن كثيرًا من الناس ما زالوا يختزلون المصارف الإسلامية في كونها “بنوكًا بلا فوائد”، بينما جوهر الاقتصاد الإسلامي أوسع بكثير، إذ يهدف إلى بناء نظام اقتصادي عادل يدعم القطاعات الإنتاجية.

وفي هذه المرحلة، تمتلك المصارف الإسلامية فرصة مهمة. فعندما يبدأ الناس بالشعور بالملل من النظام المالي القائم على النزعة الاستهلاكية والمعاملات البحتة، يمكن للمصارف الإسلامية أن تقدم نموذجًا اقتصاديًا أكثر أخلاقية وشمولًا.

لكن هذه الفرصة لن تدوم طويلًا إذا لم تتبعها تغييرات حقيقية، لأن الجمهور اليوم أصبح أكثر وعيًا ونقدًا، ولم يعد ينجذب بسهولة إلى الشعارات الإسلامية دون أثر ملموس في حياته اليومية.

فالمشروعات الصغيرة تحتاج إلى شريك يقف معها في الأوقات الصعبة، لا إلى مؤسسة لا تظهر إلا عندما تكون الأعمال مزدهرة. ومن هنا، فإن مستقبل المصارف الإسلامية يخضع لاختبار حقيقي: هل ستصبح فعلًا أداة لتمكين الاقتصاد المجتمعي؟ أم أنها ستتحول إلى مجرد جزء آخر من صناعة مالية منشغلة فقط بتحقيق الأرباح والنمو الرقمي؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت المصارف الإسلامية قادرة حقًا على أن تكون دعامة للاقتصاد الشعبي في ظل تراجع القدرة الشرائية للمجتمع. ففي النهاية، لا تكمن قوة الاقتصاد الإسلامي في مجرد حمله لصفة “الحلال”، بل في قدرته على تحقيق العدالة، والانحياز للفئات الضعيفة، ومنح الأمل للمجتمعات الصغيرة التي تكافح من أجل البقاء.

تم نشر هذا المقال في CNBC Indonesia يوم الأربعاء 8 مايو 2026.
حقوق الصورة: Muhammad Sabki.