قراءة الروايات العامة حول توجهات السياسة الوطنية
رافي حمد الله
طالب برنامج إدارة الدعوة، كلية الدعوة والاتصال، جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا
في الآونة الأخيرة، أصبحنا نسمع ونقرأ بل ونُعلِّق بشكل متزايد على النقاشات العامة، سواء في وسائل التواصل الاجتماعي أو في المجالس اليومية. ولا سيما عندما تُثار هذه النقاشات بفعل الأخبار المتداولة على نطاق واسع أو السياسات الحكومية التي أصبحت جزءًا مألوفًا من جدلنا اليومي. واللافت أننا أصبحنا أكثر اندفاعًا في التعليق على هذه القضايا الساخنة، حتى إنها حظيت باهتمام جهات خارجية. وبوصفنا جزءًا من مجتمعٍ واعٍ باتجاه السياسات الوطنية، فإن لنا الحق في تقديرها أو انتقادها متى ما كان لها تأثير مباشر على حياة الناس.
وهناك أربع قضايا عامة ينبغي لنا التعامل معها بشكل مشترك:
أولًا، برنامج "الوجبات الغذائية المجانية" (MBG) الذي أُطلق بشكل متزامن في 8 يناير 2026، وقد تعرّض لانتقادات واسعة من الجمهور. تكمن أبرز الإشكاليات في تأثير كفاءة هذا البرنامج—الذي بلغت ميزانيته نحو 335 تريليون روبية ويستهدف 82.9 مليون مستفيد—على ميزانيات الوزارات والقطاعات الأخرى التي تُعد أكثر أولوية.
وقد أوضح مركز الدراسات الاقتصادية والقانونية (CELIOS)، وهو مؤسسة مستقلة تُعنى بأبحاث الاقتصاد الكلي والعدالة المالية وانتقال الطاقة والسياسات العامة، أن ميزانية البرنامج يمكن تخفيضها إلى نحو 117.93 تريليون روبية إذا أُديرت بكفاءة واستهدفت بشكل أدق، مما يتيح فائضًا يصل إلى 259.76 تريليون روبية. ويمكن إعادة توجيه هذا الفائض لدعم 10.16 مليون مستفيد من برنامج الأسرة المأمولة (30.37 تريليون روبية)، و18.89 مليون مستفيد من برنامج إندونيسيا الذكية (13.71 تريليون روبية)، و19.10 مليون مستفيد من برنامج البطاقة التموينية (45.93 تريليون روبية)، إضافة إلى برامج أخرى. كما يمكن للحكومة تغطية تكاليف التأمين الصحي (BPJS) بقيمة 151.7 تريليون روبية، مما يخفف العبء عن المواطنين. ومع ذلك، لم تتخذ الحكومة حتى الآن موقفًا رسميًا من هذا المقترح، مما يدفع الجمهور إلى المطالبة بالتقييم بل وحتى رفض البرنامج.
ثانيًا، يطالب الجمهور بأن تُعطي الحكومة أولوية أكبر للتعليم المجاني وتحسين أوضاع المعلمين غير الدائمين، بدلًا من التركيز على البرامج الطموحة مثل MBG أو مشروع العاصمة الجديدة (IKN). ويستند هذا المطلب إلى أن الحكومة لم تُولِ العناية الكافية لمخصصات التعليم في موازنة 2026 التي بلغت 757.8 تريليون روبية، كما نصّ عليه دستور 1945 في المادة 31.
وينبغي للحكومة أن تضع قطاع التعليم في مقدمة الأولويات، من خلال إصلاح 10,440 مدرسة حكومية وخاصة في أنحاء البلاد، وزيادة رواتب المعلمين غير الدائمين لتوازي رواتب المعلمين الحكوميين (التي لا تزال تتراوح بين 300 ألف و2.5 مليون روبية شهريًا)، وإعفاء 52.9 مليون طالب من الرسوم الدراسية.
ثالثًا، يدور النقاش العام حول آثار إزالة الغابات التي يُعتقد أنها تخدم مصالح صناعة زيت النخيل. فقد توسعت زراعة النخيل في إندونيسيا إلى 16.8 مليون هكتار بإنتاج سنوي يبلغ نحو 50 مليون طن، في حين تقلّصت مساحة الغابات إلى 120.5 مليون هكتار، وهو ما يهدد التنوع البيولوجي والبيئة إذا استمر.
ويميل الخطاب العام إلى تحميل توسع النخيل مسؤولية التدهور البيئي، خاصة بعد الكوارث التي شهدتها آتشيه وشمال سومطرة وغرب سومطرة في الفترة 25–30 نوفمبر 2025. غير أن التركيز ينبغي أن يتجه أيضًا إلى سبل التخفيف من هذه الآثار والبحث عن بدائل، مثل إعادة تدوير زيت الطهي المستعمل لاستخدامه في الغذاء أو مستحضرات التجميل.
رابعًا، يتساءل الجمهور عن مدى التزام الدولة بقضية استقلال فلسطين. ففي 15 يناير 2026، أعلنت الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب عن تشكيل "مجلس السلام" (BoP)، وهو هيئة تضم 28 دولة من بينها إندونيسيا، لمناقشة آثار خفض التصعيد في غزة.
غير أن الإشكالية تكمن في عدم إشراك فلسطين في هذا المجلس، في حين تُعد إسرائيل عضوًا فاعلًا فيه، رغم أن مثل هذا المنتدى ينبغي أن يكون منصة للتفاوض وتسريع حل الدولتين وفق قرارات الأمم المتحدة. كما انتشرت شائعات عن تبرع إندونيسيا بمبلغ 16.7 تريليون روبية لهذا المجلس، وهو ما اعتُبر غير منطقي ومخالفًا للدستور ومبدأ السياسة الخارجية الحرة والنشطة.
وإذا تأملنا هذه النقاشات، نجد أنها تعكس أنماطًا يمكن تفسيرها عبر نظريات أكاديمية.
فنظرية "وضع الأجندة" لماكومبس وشاو تبيّن أن وسائل الإعلام لا تكتفي بنقل الأخبار، بل تُسهم في تشكيل أولويات الجمهور، وقد تتحول إلى مصدر للانحياز إذا لم تُستخدم بحذر، مما قد يؤدي إلى انتشار الشائعات وخطاب الكراهية.
كما يوضح روجر كاسبيرسون في "إطار تضخيم المخاطر الاجتماعي" أن المعلومات قد تُضخّم عاطفيًا، فيبدو الخطر أكبر مما هو عليه في الواقع، مما يثير القلق والذعر.
أما هوبز ولوك وروسو في "نظرية العقد الاجتماعي" فيرون أن الدولة نشأت لتأمين الأمن والرفاه، وأنها تعمل لخدمة الشعب. لكن غياب مشاركة المواطنين قد يؤدي إلى بروز النقد والمعارضة.
ومن جانبه، يشرح ماسلو في "هرم الحاجات" أن الإنسان يسعى إلى تلبية احتياجاته تدريجيًا، من الأساسية إلى تحقيق الذات. وكذلك المجتمع: فكلما لُبِّي مطلب، ظهر مطلب آخر.
وفي الختام، فإن ضجيج النقاشات العامة في مطلع عام 2026 ليس مجرد صخب رقمي، بل هو إنذار يعكس حالة العقد الاجتماعي. فلا ينبغي أن تكون السياسات الوطنية مجرد مشاريع نخبوية تقنية، بل يجب أن تستجيب لحاجات الناس الأساسية. وقد آن الأوان لأن تستند السياسات إلى بيانات صادقة وتعاطف حقيقي، لا إلى أجندات تتجاهل صوت المجتمع.
نُشر هذا المقال في "ميديا ماهasiswa إندونيسيا" يوم الاثنين، 21 فبراير 2026.
