ضغوط على ميزانية الدولة وسط الاضطرابات العالمية
محمد نور ريانتو العارف
(أستاذ في جامعة شريف هداية الله الإسلامية،
الأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لجمعية الأساتذة الإندونيسيين،
عضو إدارة الجمعية الإندونيسية للاقتصاد الإسلامي،
عضو جمعية الاقتصاديين الإندونيسيين – فرع جاكرتا)
يشهد العالم اليوم مرحلة من عدم اليقين ليست بالهينة. ففي السنوات الأخيرة، تعرض الاقتصاد العالمي لسلسلة من الأزمات المتلاحقة. فالجائحة لم تتعافَ آثارها بالكامل بعد، والصراعات الجيوسياسية تزداد تعقيداً، إلى جانب اندلاع حروب مفتوحة في عدة مناطق، مما خلق ضغوطاً كبيرة على استقرار الاقتصاد العالمي.
ومن أبرز مصادر عدم اليقين حالياً الصراع في منطقة الشرق الأوسط الذي اندلع منذ 28 فبراير 2026. وتحتل هذه المنطقة موقعاً استراتيجياً في الاقتصاد العالمي، خاصةً لدورها كمركز رئيسي لإنتاج الطاقة.
وعندما تتعرض هذه المنطقة للصراعات، فإن آثار ذلك لا تقتصر على الدول المعنية مباشرة، بل تمتد إلى العالم بأسره. إذ تصبح أسعار الطاقة غير مستقرة، وتتعرقل طرق التجارة، ويصبح مزاج الأسواق العالمية شديد الحساسية.
بالنسبة للدول النامية مثل إندونيسيا، فإن حالة عدم اليقين العالمي تحمل تبعات خطيرة. ويُعد القطاع المالي الحكومي من أكثر القطاعات تأثراً، حيث يواجه الموازنة العامة للدولة ضغوطاً متزايدة.
إن تقلب أسعار السلع، واحتمال تباطؤ الاقتصاد العالمي، إلى جانب تزايد الإنفاق الحكومي، قد يؤدي إلى ارتفاع مخاطر عجز الموازنة. وفي مثل هذه الظروف، تواجه الحكومة معضلة سياسية معقدة؛ فمن جهة، يجب الحفاظ على استقرار الاقتصاد ومواصلة برامج التنمية، ومن جهة أخرى، تفرض القيود المالية ضرورة ترشيد الإنفاق وإعادة تخصيصه.
إن الحرب في الشرق الأوسط ليست مجرد صراع إقليمي، بل لها تأثيرات عالمية واسعة، نظراً للموقع الاستراتيجي للمنطقة في نظام الطاقة العالمي ومسارات التجارة الدولية. وغالباً ما يؤدي تصاعد الصراع إلى ارتفاع أسعار النفط، التي قد تصل إلى ما بين 150 و200 دولار للبرميل إذا استمر النزاع.
ومع ارتفاع أسعار الطاقة، ترتفع تكاليف الإنتاج في مختلف الدول، مما قد يؤدي إلى زيادة التضخم العالمي وتباطؤ النمو الاقتصادي.
ولا يقتصر التأثير على قطاع الطاقة فقط، بل يمتد إلى الأسواق المالية العالمية، حيث يصبح المستثمرون أكثر حذراً، وتتجه رؤوس الأموال نحو الأصول الآمنة، مما يجعل الدول النامية أكثر عرضة للتقلبات.
كما أن اضطرابات سلاسل التوريد، خاصةً في حال إغلاق مضيق هرمز، قد تؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل وتراجع التجارة العالمية، وهو ما يؤثر سلباً على الدول المعتمدة على الصادرات.
وبالنسبة لإندونيسيا، فإن هذه التحديات ليست بسيطة. فباعتبارها اقتصاداً مفتوحاً، لا يمكنها تجنب تأثيرات التقلبات العالمية. إذ قد يتراجع أداء الصادرات مع تباطؤ الاقتصاد العالمي، كما أن تقلب أسعار الطاقة يزيد من الضغط على الموازنة، خاصة فيما يتعلق بدعم الطاقة.
تُعد الموازنة العامة للدولة الأداة الرئيسية لتنفيذ برامج التنمية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. ومن خلالها تموّل الحكومة المشاريع المختلفة وتوفر الخدمات العامة. غير أن حالة عدم اليقين العالمي تضع هذه الموازنة تحت ضغط من جانب الإيرادات والنفقات معاً.
فعلى صعيد الإيرادات، قد يؤدي تباطؤ الاقتصاد إلى انخفاض النشاط الاقتصادي وبالتالي تراجع الإيرادات الضريبية، التي تُعد المصدر الرئيسي للدخل الحكومي، خاصة في ظل عدم تعافي القوة الشرائية بشكل كامل.
كما أن تقلب أسعار السلع يؤثر على الإيرادات، رغم أن إندونيسيا استفادت في السنوات الأخيرة من ارتفاع أسعار بعض السلع مثل الفحم وزيت النخيل.
أما من جهة الإنفاق، فإن الضغوط تتزايد، إذ يتعين على الحكومة الحفاظ على استقرار الأسعار، وتقديم الدعم الاجتماعي، وضمان استمرار برامج التنمية، وكل ذلك يتطلب موارد مالية كبيرة.
وعندما لا تنمو الإيرادات بنفس وتيرة الإنفاق، يصبح العجز أمراً يصعب تجنبه. ورغم أن العجز ليس دائماً سلبياً، إلا أن ارتفاعه بشكل غير منضبط قد يهدد الاستقرار المالي.
وفي إندونيسيا، يتم الحفاظ على العجز ضمن حدود 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعكس انضباطاً مالياً مهماً للحفاظ على ثقة الأسواق. لكن في ظل الظروف الحالية، تضيق المساحة المالية بشكل متزايد.
وإذا استمرت هذه الضغوط، قد تضطر الحكومة إلى زيادة الاقتراض لتغطية العجز. ورغم أن الدين أداة مشروعة، فإن الاعتماد المفرط عليه يحمل مخاطر، خاصة من حيث زيادة أعباء الفوائد وتقليص الموارد المتاحة للتنمية.
في هذا السياق، تواجه الحكومة معضلة صعبة: فهي مطالبة بحماية المجتمع من آثار الأزمة، من خلال الدعم الاجتماعي ودعم الطاقة، لكنها في الوقت نفسه مقيدة بموارد مالية محدودة.
ومن هنا يظهر الجدل حول سياسات ترشيد الإنفاق، حيث يرى البعض أنها ضرورية للحفاظ على الاستقرار المالي، بينما يخشى آخرون من تأثيرها على التنمية والخدمات العامة.
لذلك، ينبغي أن يتم ترشيد الإنفاق بطريقة ذكية، لا تعني تقليصه فقط، بل ضمان تحقيق أقصى فائدة ممكنة من كل مورد مالي.
ومن بين الإجراءات الشائعة تقليل النفقات التشغيلية مثل السفر الرسمي والأنشطة غير الضرورية، رغم أن تأثيرها المالي محدود مقارنة بإجمالي الإنفاق.
أما التحدي الأكبر، فيكمن في تقليص الإنفاق على البرامج التي تمس المجتمع مباشرة، مثل مشاريع البنية التحتية، مما قد يؤثر على النمو الاقتصادي طويل الأجل.
إلى جانب ذلك، يمكن للحكومة اعتماد إعادة تخصيص الميزانية، أي تحويل الموارد من البرامج الأقل أولوية إلى الأكثر أهمية، خاصة تلك المتعلقة بالاستقرار الاقتصادي والحماية الاجتماعية.
كما يمكن توجيه الموارد إلى القطاعات الاستراتيجية مثل الطاقة والغذاء والصناعة لتعزيز القدرة الاقتصادية على المدى الطويل.
غير أن هذه العملية ليست سهلة، إذ تتداخل فيها مصالح متعددة، مما يستدعي الشفافية والمساءلة في إدارة المالية العامة.
إن حالة عدم اليقين العالمي تؤكد أهمية تعزيز الصلابة المالية للدول. فالدول ذات الأسس المالية القوية تمتلك قدرة أكبر على مواجهة الأزمات.
ولا يتعلق ذلك فقط بحجم الإيرادات، بل أيضاً بكفاءة إدارة الموارد. فالإدارة الرشيدة والشفافة تعزز القدرة على مواجهة الضغوط الاقتصادية.
وفي إندونيسيا، يمكن تحقيق ذلك من خلال إصلاح النظام الضريبي، وتحسين جودة الإنفاق العام، وتعزيز التنسيق بين السياسات المالية والنقدية.
ومن المتوقع أن يستمر العالم في مواجهة تحديات متعددة، من صراعات جيوسياسية إلى تغيرات مناخية وتقلبات اقتصادية. ولذلك، لا يمكن الاعتماد على حلول قصيرة الأجل فقط.
بل يتطلب الأمر استراتيجيات طويلة المدى تعزز أسس الاقتصاد الوطني، وتُعد إدارة الموازنة أحد أهم الأدوات لتحقيق ذلك، بحيث تكون وسيلة للاستقرار ومحركاً للتنمية في آن واحد.
نُشر هذا المقال في صحيفة كومباس يوم الجمعة، 16 مارس 2026.
