جامعة جاكرتا الإسلامية الحكومية وبرج ماء الحضارة
الأستاذ الدكتور أحمد ثولابي خارلي، الماجستير في الشريعة والقانون
(الأستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا)
جاكرتا - يُمثّل العيد السنوي (Dies Natalis) التاسع والستون لجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا محطة مهمة لإعادة قراءة مسيرة التاريخ، وتقييم الإنجازات التي تحققت، وفي الوقت نفسه قياس التحديات التي ستواجهها الجامعة في المستقبل. إن بلوغ الجامعة زهاء سبعة عقود يعكس نضج مؤسسة للتعليم العالي نمت وتطوّرت بالتزامن مع ديناميكيات الأمة وتطور العالم الإسلامي في إندونيسيا..
إن الشعار الذي رُفع هذا العام:
"الاحتفال بمرور 69 عاماً على تعزيز التعليم العالي الشامل والعالمي في بيئة تكنولوجية بيئية حاضنة"
(Celebrating 69 Years of Promoting Inclusive and Global Higher Education in a Nurturing Eco-Technology Environment)
يحمل في طياته التوجه الاستراتيجي الذي تسعى جامعة جاكرتا الإسلامية الحكومية إلى تأكيده، وهو: بناء تعليم عالٍ شامل، ذي أفق عالمي، ويساهم في استدامة البيئة من خلال تطوير العلوم والتكنولوجيا القائمة على القيم الإنسانية.
يأتي هذا الشعار في وقت يواجه فيه العالم تحديات جسيمة؛ فالاستقطاب الاجتماعي، والأزمات البيئية، والتفاوت الاقتصادي، والاضطراب التكنولوجي، فضلاً عن تزايد حالة عدم اليقين العالمي، كلها عوامل تطالب مؤسسات التعليم العالي بالقيام بدور أكثر فاعلية وملاءمة للواقع. وفي هذا السياق، لا يكفي أن تؤدي الجامعة دورها كمركز لإنتاج المعرفة فحسب، بل يجب أن تفوق ذلك لتصبح فضاءً لتشكيل القيم والأخلاق وتوجيه مسار الحضارة.
ومن هنا تبرز وجاهة الاستعارة المجازية التي كثيراً ما كان يطرحها البروفيسور أزيوماردي أزرا (Azyumardi Azra) حول الجامعة باعتبارها "برج ماء" (water tower). فالبرج العاجي يرمز إلى التميز الأكاديمي والعمق الفكري، بينما يرمز برج الماء إلى النفع الاجتماعي الذي يتدفق لينتفع به المجتمع. والجامعة الناجحة هي تلك التي تستطيع الجمع بين الاثنين: التميز في تطوير العلوم، والتواجد الفاعل لتلبية متطلبات العصر.
رعاية الشمولية (Inclusivitas)
تُعدّ "ثقافة الشمولية" إحدى الركائز الأساسية التي تشكل هوية جامعة جاكرتا الإسلامية الحكومية. فمنذ عهد "المعهد العالي للدراسات الإسلامية الحكومي" (IAIN)، عُرِف هذا الصرح الجامعي بأنه مساحة خصبة لتجديد الفكر الإسلامي في إندونيسيا. حيث نمت وتطورت الأفكار المتعلقة بتكامل العلوم، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والاعتدال الديني، وحوار الحضارات من خلال تقاليد أكاديمية منفتحة وديناميكية.
وقد شكّل التحول المؤسسي من معهد (IAIN) إلى جامعة (UIN) في عام 2002 ولادة نموذج معرفي جديد يقوم على "تكامل العلوم". حيث التقت الدراسات الإسلامية بالعلوم الاجتماعية، والإنسانية، والعلوم الطبيعية، والتكنولوجيا، والصحة، والاقتصاد في بناء أكاديمي واحد يثري بعضه بعضاً. وكانت هذه الخطوة معلماً بارزاً في مسيرة تطور التعليم العالي الإسلامي في إندونيسيا، فضلاً عن ترسيخ مكانة جامعة جاكرتا الإسلامية الحكومية كـرائدة في مجال تكامل العلوم.
وتظهر آثار هذا التحول في اتساع نطاق التخصصات العلمية المتطورة، وزيادة مساهمة الخريجين في مختلف قطاعات الحياة الوطنية، بالإضافة إلى تعزيز السمعة الأكاديمية للجامعة على المستويين الوطني والدولي. وفي جوانب عديدة، أصبحت جامعة جاكرتا الإسلامية الحكومية مرجعاً لتطوير التعليم العالي الإسلامي الحديث.
إن هذا الإرث الفكري يتطلب رعاية مستدامة. فالشمولية في جوهرها سيرورة مستمرة تتحرك تماشياً مع تغيرات المجتمع. وفي ظل تصاعد أشكال الاستبعاد الهوياتي (Eksklusivisme Identitas) في مناطق مختلفة من العالم، تحمل جامعة جاكرتا الإسلامية الحكومية مسؤولية أخلاقية للحفاظ على تقاليدها الأكاديمية المنفتحة، النقدية، الحوارية، والتي تحترم تنوع الآراء.
وتكتسب الشمولية معناها الحقيقي عندما تتجسد في ثقافة أكاديمية تتيح مساحة لاختلاف الرؤى، والخلفيات، والتجارب الحياتية، ووجهات النظر. وبذلك تصبح الجامعة ملتقى للأفكار تتكامل فيه ولا تنفي بعضها بعضاً. إن هذا التقليد الفكري هو الذي مثّل القوة الرئيسية لجامعة جاكرتا الإسلامية الحكومية طوال مسيرتها، وهو ما يحتاج إلى مزيد من التعزيز في المستقبل.
وفي الوقت ذاته، ترتبط الشمولية أيضاً بفرص الالتحاق بالتعليم العالي. وباعتبارها واحدة من أكثر الجامعات الإسلامية الحكومية إقبالاً في إندونيسيا، تواجه الجامعة تحدياً يتمثل في ضمان وصول جودة التعليم التي تقدمها إلى مختلف شرائح المجتمع. وتُعد المنح الدراسية الداعمة، والخدمات المخصصة للطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة، وأنظمة التعلم المرنة والأداتية جزءاً مهماً من الجهود المبذولة لتقديم تعليم عالٍ أكثر عدالة.
أما البُعد العالمي الذي يتضمنه شعار العيد السنوي لهذا العام، فله أسس متينة. فخلال العقدين الماضيين، أظهرت جامعة جاكرتا الإسلامية الحكومية تقدماً ملحوظاً في مسار "العولمة والأدلجة الدولية" من خلال التعاون الأكاديمي العابر للحدود، وزيادة النشر العلمي في المجلات المرموقة، وتوسيع شبكة العلاقات العالمية. ومع ذلك، فإن تطور التعليم العالي في العالم اليوم يوجه الانتباه نحو أمر أكثر جوهرية من مجرد التواجد الدولي؛ فالسؤال الأهم الذي يتعين الإجابة عليه هو: ما هو الأثر الذي يمكن أن نقدمه للعالم من خلال العلوم والأفكار التي تُطور داخل أسوار الجامعة؟
بصفتها مركزاً للدراسات الإسلامية ينمو في أكبر دولة مسلمة ديمقراطية في العالم، تمتلك جامعة جاكرتا الإسلامية الحكومية رصيداً فكرياً ثرياً للغاية. إن العالم اليوم بحاجة إلى مزيد من السرديات حول الإسلام المعتدل، الشامل، السلمي، والمتوافق مع قيم الديمقراطية والإنسانية العالمية. وتمتلك التقاليد العلمية المتطورة في الجامعة القدرة على تقديم مساهمة جوهرية في الحوار العالمي حول هذه القضايا.
إن الجامعة ذات الأفق العالمي هي تلك التي تستحضر العالم إلى قاعاتها الدراسية، وفي الوقت ذاته تصدّر أفكارها إلى المنصات الدولية. وإن وجود طلاب من مختلف دول العالم، والتعاون البحثي العابر للقوميات، والنشر العلمي المؤثر، والانخراط في أجندة التنمية العالمية، كلها خطوات تعزز مكانة جامعة جاكرتا الإسلامية الحكومية كمركز لتطوير العلوم والحضارة الإسلامية المعاصرة.
برج ماء الحضارة
الركيزة الأخرى البارزة في شعار العيد السنوي هذا العام هي بيئة التكنولوجيا البيئية الحاضنة (nurturing eco-technology environment). ويعكس اختيار هذا الشعار وعياً عميقاً بأن القضايا البيئية غدت من أكثر التحديات الملحة التي تواجه البشرية جمعاء.
إن أزمة المناخ، وتدهور البيئة، وفقدان التنوع البيولوجي، وتزايد وتيرة الكوارث البيئية، كلها شواهد تؤكد أن علاقة الإنسان بالطبيعة تتطلب إعادة تنظيم جذرية. ويقع على عاتق الجامعات مسؤولية المساهمة في إيجاد الحلول عبر التعليم، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع.
وتشكل الجهود التي بذلتها جامعة جاكرتا الإسلامية الحكومية على مدى السنوات الماضية في تطوير "الجامعة الخضراء" (Kampus Hijau)، وتدعيم الحوكمة البيئية، والمشاركة الفاعلة في مبادرات الاستدامة، ركيزة أساسية ومنطلقاً نحو صياغة أجندة أوسع وأكثر استراتيجية.
وفي المنظور الإسلامي، تقوم علاقة الإنسان بالطبيعة على مبدأ "الأمانة"؛ فالطبيعة ليست مجرد مورد يُستنزف بلا حدود، بل هي جزء من نظام كوني تجب المحافظة على استدامته. ومن ثم، فإن الأزمة البيئية تمس في جوهرها الأبعاد الأخلاقية والمعنوية والروحية.
وغالباً ما يرجع الدمار البيئي إلى رؤية تضع الإنسان في مقام المسيطر المطلق على الطبيعة، لا الحارس المسؤول عن استدامتها. وفي هذه النقطة بالذات، يتعاظم دور الجامعات الإسلامية. وتملك جامعة جاكرتا الفرصة للربط بين العلوم، والتكنولوجيا، والقانون، والأخلاق، واللاهوت في إطار فكري متكامل. ويمكن لمفاهيم مثل "خلافة الأرض"، و"حفظ البيئة"، و"مقاصد الشريعة" أن تغدو أساساً لتطوير دراسات "الفقه البيئي" التي تجيب على تحديات العصر.
إن التعاون بين كلية العلوم والتكنولوجيا، وكلية الشريعة والقانون، وكلية أصول الدين، وكلية الاقتصاد والأعمال، وغيرها من الكليات، ينطوي على إمكانية إيجاد ابتكارات تربط التقدم التكنولوجي بالعدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية.
ومن هذه الفضاءات الأكاديمية، تبرز إمكانية تطوير الطاقة المتجددة القائمة على المجتمعات المحلية، ونماذج الاقتصاد الأخضر العادل، والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، وصولاً إلى صياغة السياسات العامة الموجهة نحو المصلحة العامة طويلة الأجل.
وإذا ما تطورت هذه الأجندة بشكل منهجي، سيكون لجامعة جاكرتا الإسلامية الحكومية مساهمة فريدة في الساحة الأكاديمية العالمية، وتستطيع البروز كأحد مراكز تطوير الفكر الإسلامي حول الاستدامة، والعدالة البيئية، ومستقبل الحضارة الإنسانية.
في عامها التاسع والستين، تمر جامعة جاكرتا الإسلامية الحكومية بمرحلة مفصلية في تاريخها. فقد بُنيت السمعة الأكاديمية، وتوسعت الشبكات الدولية، وحُوفِظ على الثقة المجتمعية. والتحدي القادم يكمن في تحويل هذا الرصيد بأكمله إلى أثر أوسع يخدم الأمة والإنسانية.
إن البرج العاجي الذي لطالما كان رمزاً للتميز الأكاديمي يجب أن يحظى بالرعاية المستمرة، مع ضمان أن يتدفق من هذا البرج نفع يلمسه المجتمع. فالجامعات في نهاية المطاف لا تُذكر بمبانيها، بل بالأفكار، والقدوة، والنفع الذي تورثه للحضارة.
وعند هذه النقطة تحديداً، تبرز وجاهة وأهمية شعار العيد السنوي لهذا العام. إن الشمولية، والاستدامة البيئية، والأفق العالمي هي الطريق الطويل نحو بناء حضارة أكثر عدلاً، وإنسانية، واستدامة.
لقد شُيّد البرج العاجي عبر مسيرة حافلة امتدت لقرابة سبعة عقود؛ وحان الوقت الآن لضمان أن يكون هذا البرج في الوقت ذاته "برج ماء" يواصل تدفيق العلم، والحكمة، والمنفعة للحياة الإنسانية في مداها الأرحب.
نُشِر هذا المقال في عمود (detikEdu) يوم الجمعة، 12 يونيو 2026.
