تقدير التسامح

تقدير التسامح

ناصر الدين عمر
(أستاذ علم التفسير بكلية أصول الدين في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا،
وزير الشؤون الدينية في جمهورية إندونيسيا)

إنّ التسامح لا يعني تسوية المختلف، ولا التفريق بين المتماثل. فالتسامح هو تقبّل حقيقة أن الاختلاف في الحياة أمرٌ حتميّ لا مفرّ منه.

تميل التيارات الليبرالية إلى المبالغة في فرض التشابه على الأمور المختلفة، بينما تميل التيارات المتشددة إلى فرض الاختلاف على ما هو في جوهره متشابه.

وعليه، فإنّ التسامح هو منظومة فكرية وموقفٌ عملي يقوم على احترام الآراء والمواقف ووجود الآخرين، أفرادًا كانوا أم جماعات، دون التمييز بين كبيرها وصغيرها. فالمختلف يُترك مختلفًا، والمتشابه يُترك متشابهًا، دون إثارة التوتر أو الصراع بين الأطراف.

وفي الإسلام، يُقارب مفهوم التسامح غالبًا بمصطلح "التسامح" (التسامح/التساهل: التسامح – tasāmuh). ويرتبط التسامح الديني بالتسامح الداخلي بين أبناء الدين الواحد، والتسامح الخارجي مع أتباع الأديان الأخرى، من خلال احترام وجودهم وعدم فرض الإرادة عليهم، حتى وإن كانوا أقلية. وتسعى التيارات المعتدلة إلى ترسيخ ما يُعرف بـ"فقه التعددية"، الذي يرفع من شأن وجود الآخرين، ولو كانوا من غير المسلمين.

والأدلة على ذلك في الإسلام كثيرة. ومن المؤكد أن النبي محمد ﷺ لم يكتفِ بالدعوة إلى التسامح مع أتباع الديانات الأخرى، بل جسّده عمليًا في سلوكه. فكثير من الناس يتحدثون عن التسامح، لكن أفعالهم لا تعكس أقوالهم. أما النبي وأصحابه فلم يترددوا قط في التعاون والتسامح مع غير المسلمين، لأن النصوص القرآنية في هذا الباب كثيرة وصريحة. ومن ذلك قوله تعالى:

"لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ..." (الممتحنة: 7-8).
وقوله تعالى:
"وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ..." (التوبة: 6).

وقد استقبل النبي ﷺ وفدًا من غير المسلمين (من نصارى نجران في اليمن حاليًا)، فسألوه عن عيسى ابن مريم، فأجابهم بأنه روح الله وكلمته، وأنه عبدٌ ورسول. فقال بعض شبابهم: "هل تقبل أن نسخر منك إن كنت مخطئًا؟" فأجابهم النبي: "أهذا ما تريدون؟" قالوا: نعم.

ثم جاء قائدهم فنهاهم قائلاً: "لا تسخروا من هذا الرجل، فإن فعلتم هلكنا." ثم اعتذر للنبي وطلب العفو لهم، فقال النبي: "قد عفوت عنكم." وهكذا كان موقف النبي في التسامح مع الآخرين.

وروى صفوان بن سليم أن النبي ﷺ قال: "من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، فأنا خصمه يوم القيامة" (رواه البخاري ومسلم).

كما ضرب النبي أمثلة عديدة في التعاطف ومساعدة غير المسلمين، خاصة من الفقراء. فقد رأى عمر بن الخطاب شيخًا كبيرًا أعمى من غير المسلمين يتسوّل، فسأله: "من أي أهل الكتاب أنت؟" فقال: "أنا يهودي."

فأخذه عمر إلى بيته، وكتب إلى بيت المال قائلاً: "انظروا إلى هذا وأمثاله. والله ما أنصفناه إن أكلنا من ماله في شبابه وتركناه في شيخوخته. إن الصدقات للفقراء والمساكين، وهؤلاء منهم، سواء كانوا من المسلمين أو من أهل الكتاب."

نُشر هذا المقال في صحيفة «كومباس» يوم الأربعاء، 19 مارس 2026.