إندونيسيا عند مفترق طرق فخ الدخل المتوسط

إندونيسيا عند مفترق طرق فخ الدخل المتوسط

محمد نور ريانتو العارف

( أستاذ بروفيسور بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا )

تستمر إندونيسيا في الاحتفاء بالعديد من إنجازاتها الاقتصادية التي تبدو مشجعة، حيث استقر النمو الاقتصادي الوطني طوال عام ٢٠٢٥ في حدود ٥ بالمائة، وهو ما يُعد أفضل نسبياً مقارنة بالكثير من الدول النامية الأخرى التي لا تزال تكافح لمواجهة التباطؤ الاقتصادي العالمي. بل إن هذا النمو تمكن في الربع الأول من عام ٢٠٢٦ من الوصول إلى ٥.٦١ بالمائة، لتتجاوز قيمة الناتج المحلي الإجمالي حاجز ١.٤ تريليون دولار أمريكي، مما يضمن بقاء إندونيسيا كأكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا وأحد القوى الاقتصادية الرئيسية في قارة آسيا. وعلاوة على ذلك، يستمر نصيب الفرد من الدخل في الارتفاع مخترقاً حاجز ٥,٠٠٠ دولار أمريكي سنوياً، لتنجح البلاد في الحفاظ على مكانتها ضمن مجموعة الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى وفقاً لتصنيف البنك الدولي.

إن هذه الإنجازات المتعددة تستحق التقدير بلا شك، فخلال العقدين الماضيين نجحت إندونيسيا في الحفاظ على استقرارها الاقتصادي وسط اضطرابات عالمية شتى، بدءاً من الأزمة المالية العالمية وجائحة كوفيد-١٩، وصولاً إلى حالة عدم اليقين الجيوسياسي التي تسببت في اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار السلع الأساسية. وفي الوقت الذي تشهد فيه البنية التحتية تطوراً متسارعاً وتتزايد الاستثمارات ويبدأ التحول الرقمي في تغيير وجه الاقتصاد الوطني، يبرز خلف هذا التفاؤل سؤال جوهري يستحق الطرح حول ما إذا كانت إندونيسيا تسير حقاً على الطريق نحو مصاف الدول المتقدمة، أم أنها تدخل مرحلة تحولت على مدى عقود إلى مقبرة لآمال العديد من الدول النامية، وهي مرحلة فخ الدخل المتوسط.

تكمن أهمية هذا السؤال في أن تاريخ التنمية الاقتصادية العالمية يظهر أن الوصول إلى فئة الدول ذات الدخل المتوسط ليس المرحلة الأصعب، بل إن التحدي الحقيقي يكمن في الخروج من هذه المجموعة والارتقاء إلى فئة الدول ذات الدخل المرتفع. لقد نجحت دول عديدة في الحد من الفقر وزيادة دخل مواطنيها، لكنها واجهت بعد ذلك حالة من الركود استمرت لعقود، حيث يتباطأ النمو الاقتصادي، وتتوقف الإنتاجية عن التطور، وتتراجع القدرة التنافسية الصناعية، مما يجعلها محاصرة في وضع نصف متقدم دون أن تحقق الرخاء الحقيقي، وتقف إندونيسيا اليوم عند هذه النقطة الحرجة تماماً. ويُستخدم مصطلح فخ الدخل المتوسط لوصف ظاهرة نجاح دولة ما في الانعتاق من براثن الفقر وفشلها في تحقيق القفزة نحو مجموعة الدول المتقدمة، حيث يعتمد النمو الاقتصادي في المراحل الأولى من التنمية عادة على العمالة الرخيصة، واستغلال الموارد الطبيعية، والتوسع الحضري، والاستثمار في البنية التحتية.

ومع أن نموذج التنمية هذا يعد فعالاً لرفع دخل المجتمع من المستويات المنخفضة إلى المتوسطة، إلا أنه بمجرد ارتفاع الدخل تصبح تكلفة العمالة أكثر غلاءً، وتتلاشى الميزة التنافسية القائمة على الأجور المنخفضة تدريجياً، في الوقت الذي لا تكون فيه الدولة قد امتلكت بعد القدرة الكافية على الابتكار والتكنولوجيا والإنتاجية لمنافسة الدول المتقدمة، لتجد نفسها في موقف معقد تكون فيه أغلى من أن تنافس الدول الفقيرة، ولكنها ليست مبتكرة بما يكفي لمنافسة الدول المتقدمة. وفي تقرير التنمية العالمية ٢٠٢٤، أكد البنك الدولي أن الدول ذات الدخل المتوسط يجب أن تجري تحولاً اقتصادياً عبر ثلاث مراحل رئيسية تشمل الاستثمار، وتبني التكنولوجيا، والابتكار، وبينما نجحت دول كثيرة في المرحلة الأولى واستطاع بعضها الوصول إلى المرحلة الثانية، فإن قلة قليلة فقط نجحت في بناء منظومة ابتكار قوية.

وإذا تساءلنا عن المرحلة التي تقف عندها إندونيسيا اليوم، نجد أن اقتصادها حظي باستقرار نسبي خلال العقد الماضي مع نمو يقارب ٥ بالمائة سنوياً، وهو إنجاز غير هين في ظل الانكماش الاقتصادي العالمي، غير أن النمو الاقتصادي لا يعني دائماً التقدم الهيكلي. إن إحدى المشكلات الأساسية في إندونيسيا هي انخفاض نمو الإنتاجية، إذ لا يزال الجزء الأكبر من النمو الاقتصادي مدفوعاً بالاستهلاك المنزلي الذي يساهم بأكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي الوطني، وهو أمر وإن كان مهماً لإبقاء عجلة الاقتصاد دارة، إلا أنه لا يكفي لدفع التحول الاقتصادي، فالدول التي نجحت في الخروج من الفخ شهدت طفرة كبيرة في الإنتاجية عبر بناء صناعات ذات تقنية عالية، ورفع جودة الموارد البشرية، وخلق ابتكارات قادرة على المنافسة عالمياً. ولم تصل إندونيسيا بعد بشكل كامل إلى تلك المرحلة لأن العديد من القطاعات الاقتصادية لا تزال تعتمد على أنشطة ذات إنتاجية منخفضة، بل إن معظم القوى العاملة لا تزال تعمل في القطاع غير الرسمي الذي يتسم، وفقاً لبيانات الهيئة المركزية للإحصاء، بإنتاجية منخفضة وحماية اجتماعية ضعيفة، مما يعني أن النمو الحالي لم يثمر بعد عن التحول الهيكلي المطلوب.

ويعد إسهام القطاع التحويلي في الناتج المحلي الإجمالي أحد المؤشرات الشائعة لقياس التحول الاقتصادي، وتظهر تجارب الدول المتقدمة أن التصنيع هو المحرك الرئيسي لزيادة الإنتاجية وقدرته على استيعاب العمالة وخلق قيمة مضافة تشكل حجر الأساس لتطوير التكنولوجيا. ولسوء الحظ، تواجه إندونيسيا ظاهرة تُعرف باسم إنهاء التصنيع المبكر، ففي أوائل القرن الحادي والعشرين كانت مساهمة القطاع الصناعي تفوق ٣٠ بالمائة، إلا أنها تراجعت خلال العقدين الماضيين لتستقر حالياً في حدود ١٨ إلى ١٩ بالمائة فقط، وهو تراجع يثير مخاوف جادة لأنه يحدث قبل أن تصل إندونيسيا إلى مستوى دخل مرتفع، مما يهدد بحد قُدرتها على خلق فرص عمل عالية الجودة.

وفي المقابل، تعد إندونيسيا واحدة من أغنى دول العالم بالموارد الطبيعية من نيلك وفحم وزيت نخيل، إلا أن التاريخ يثبت أن وفرة الموارد لا تجلب الازدهار دائماً بسبب ما يُعرف بلعنة الموارد الطبيعية، حيث يعيق الاعتماد المفرط عليها تطوير القطاعات الصناعية والتكنولوجية. وتواجه إندونيسيا المخاطر ذاتها، ورغم أن طفرة أسعار السلع ساعدت في زيادة الصادرات والإيرادات الحكومية مؤخراً، إلا أن هذا النجاح لا ينبغي أن يدفعها نحو التراخي، لأن القيمة المضافة الأكبر لا تأتي من بيع المواد الخام بل من امتلاك التكنولوجيا والابتكار، ولذا يجب المضي في توسيع أجندة التصنيع المحلي وعدم الاكتفاء بمعالجة المواد الخام إلى منتجات وسيطة، بل التحرك نحو امتلاك تكنولوجيا التصنيع وتطوير الأبحاث.

وعلى مدار سنوات، نُظر إلى الطبقة المتوسطة في إندونيسيا كالمحرك الأساسي للاستهلاك وصمام الأمان للاستقرار الاجتماعي، بيد أنه ظهرت مؤخراً ظاهرة تستدعي الحذر تتمثل في ضعف القوة الشرائية وانكماش هذه الطبقة جراء ارتفاع تكاليف المعيشة التي لم تصاحبها زيادة في الدخل الحقيقي، مما جعل بعض الأسر تنزلق نحو الفئات الهشة. وتكتسب هذه الظاهرة أهميتها من الدور الاستراتيجي للطبقة المتوسطة كأكبر دافعي الضرائب والمستهلكين الرئيسيين للمنتجات الحديثة، وإذا ضعفت هذه الطبقة سيتأثر نمو الاقتصاد المستدام، وهو أمر يصبح حاسماً بالنظر إلى أن إندونيسيا تمر بمرحلة العائد الديموغرافي حيث يفوق عدد السكان في سن العمل عدد السكان في السن غير المنتجة بفارق كبير. ورغم أن هذا الوضع يوفر فرصة هائلة، إلا أن العائد الديموغرافي ليس هبة تلقائية، والتاريخ يشير إلى أن دولاً كثيرة فشلت في استغلاله لعدم قدرتها على توفير تعليم عالي الجودة وفرص عمل كافية، خاصة في عصر الذكاء الاصطناعي والأتمتة التي تستبدل الوظائف الروتينية، وإذا لم يتم الإسراع في رفع جودة التعليم والتدريب المهني فقد يتحول العائد إلى عبء ديموغرافي يتجسد في البطالة والاضطرابات الاجتماعية، مما يجعل الاستثمار في الموارد البشرية الأولوية القصوى.

ويكمن الفارق الجوهري بين الدول ذات الدخل المتوسط والدول المتقدمة في القدرة على الابتكار وخلق تقنيات جديدة وإصدار براءات الاختراع، ولا تزال إندونيسيا تواجه تحديات جسيمة في هذا الجانب نظراً لانخفاض الإنفاق على البحث والتطوير وضعف التعاون بين الجامعات والقطاع الصناعي والحكومة، مما يجعلها مستهلكة للتكنولوجيا لا صانعة لها، بل وفي كثير من الأحيان يتم التضييق على المبتكرين. وفي الاقتصاد الحديث تأتي القيمة المضافة الأكبر من الابتكار والمعرفة كما هو الحال في الشركات العالمية الكبرى، وغالباً ما تُطرح كوريا الجنوبية كنموذج يحتذى به في النجاح في الخروج من فخ الدخل المتوسط، ففي أوائل ستينيات القرن الماضي لم يكن نصيب الفرد من الدخل فيها يختلف كثيرا عن نظيره في إندونيسيا التي كانت تفوقها غنى بالموارد الطبيعية، غير أن كوريا الجنوبية اختارت التركيز على التعليم والتصنيع والتكنولوجيا والابتكار، ودعمت حكومتها بناء الصناعات الاستراتيجية وعززت البحوث وخلق بيئة محفزة للتصدير، لتصبح اليوم واحدة من أكثر الدول تقدماً في العالم، والدرس البليغ هنا هو أن تقدم الأمة لا تحدده كثرة مواردها الطبيعية بل قدرتها على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية مضافة، وهو ما يتطلب شجاعة لإجراء إصلاحات هيكلية قد لا تحظى بشعبية الآن ولكنها مصيرية لمستقبل البلاد.

ولتحقيق هذا المسعى، ثمة خمس أجندات كبرى يتعين تنفيذها بشكل متسق وثابت، حيث تتمثل الأولى في تسريع التحول الصناعي نحو قطاعات ذات قيمة مضافة عالية مثل التصنيع المتقدم والاقتصاد الرقمي والأخضر والتكنولوجيا الفائقة، وتأتي الثانية بضرورة جعل إصلاح التعليم الأجندة الوطنية الأولى بالتركيز على جودة التعليم والتفكير النقدي والإبداع والتحصيل الرقمي. أما الثالثة فتركز على زيادة الاستثمار في البحث والابتكار وبناء بيئة ابتكار قوية بين الجامعات وقطاع الأعمال، وتأتي الرابعة لتعزيز الإصلاح البيروقراطي وسيادة القانون لتوفير بيئة تشريعية آمنة تجذب الاستثمارات طويلة الأجل، بينما تتلخص الأجندة الخامسة في توجيه النمو الاقتصادي نحو توفير وظائف نوعية تدعم استقرار الطبقة المتوسطة وتضمن استدامتها.

تمتلك إندونيسيا في الواقع جميع المقومات اللازمة لتصبح دولة متقدمة من تعداد سكاني كبير وموارد وفيرة وموقع استراتيجي وسوق محلية واسعة، ومع ذلك فإن هذه المقومات لا تضمن النجاح تلقائياً، والتاريخ يظهر أن دولاً كثيرة امتلكت موارد طائلة لكنها فشلت في تحقيق الرخاء، وعلى النقيض من ذلك نجحت دول فقيرة الموارد لأنها استطاعت بناء مؤسسات قوية وتعليم عالي الجودة وثقافة قائمة على الابتكار، وهنا يكمن التحدي الأكبر اليوم. لم تعد المسألة تتعلق بكيفية تحقيق النمو الاقتصادي بل بكيفية ضمان أن يثمر هذا النمو عن زيادة الإنتاجية والرفاهية المستدامة، ففخ الدخل المتوسط في نهاية المطاف ليس مجرد مسألة أرقام أو بيانات بل هو اختبار لمدى قدرة الأمة على التحول من اقتصاد يعتمد على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد يقوم على المعرفة.

تقف إندونيسيا الآن عند مفترق طرق تاريخي بالغ الأهمية، فإذا نُفذت الإصلاحات الهيكلية بانتظام وثبات ورُفعت جودة الموارد البشرية وجُعل الابتكار الركيزة الأساسية للتنمية، فإن رؤية إندونيسيا الذهبية ٢٠٤٥ لن تكون حلماً مستحيلاً، وعلى العكس من ذلك، إذا استمر نمونا الاقتصادي في الاعتماد على السلع الخام والاستهلاك المحلي التقليدي والعمالة رخيصة التكلفة، فإن إندونيسيا تخاطر بقضاء العقود القادمة حبيسة فئة الدول ذات الدخل المتوسط دون أن تنجح حقاً في الارتقاء. إن هذا الخيار لا يحدده القدر وحده بل تصيغه القرارات الاستراتيجية التي تُتخذ اليوم، وسيسجل التاريخ بدقة ما إذا كان الجيل الحالي قد نجح في قيادة إندونيسيا لكسر قيود فخ الدخل المتوسط، أم أنه تركها عالقة هناك لزمن طويل جداً.

نُشر هذا المقال في عمود صحيفة كومباس (Kompas) يوم الاثنين (٠٩/٠٦/٢٠٢٦).