أستاذ الفيلولوجيا بجامعة جاكرتا الإسلامية الحكومية (UIN) مناقشاً لأطروحة دكتوراه حول التفسير الصوفي الجاوي بجامعة لايدن
لايدن، أخبار جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية (UIN) عبر الإنترنت – حظي البروفيسور عُمان فتح الرحمن، أستاذ الفيلولوجيا (تحقيق النصوص) بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا، بشرف اختياره عضواً في لجنة مناقشة أطروحة دكتوراه (Ph.D Defense) بجامعة لايدن في هولندا، وذلك يوم الثلاثاء (9/6/2026). وتأتي مشاركته كمناقش بمثابة اعتراف دولي بكفاءته وسلطته الأكاديمية في مجال الفيلولوجيا ودراسات المخطوطات الإسلامية في أرخبيل الملايو (نوسانتارا).
وفي هذه الجلسة، انضم البروفيسور عُمان إلى عضوية لجنة مناقشة الدكتوراه لتقييم أطروحة الباحث نور أحمد، وهو محاضر بجامعة والي سونجو الإسلامية الحكومية بسمارانج، والذي يواصل دراسته الأكاديمية لنيل درجة الدكتوراه في جامعة لايدن. وحملت الأطروحة التي جرت مناقشتها والدفاع عنها عنوان: "التفسير الصوفي الجاوي للقرآن: كتاب فيض الرحمن للكيائي صالح دارات (توفي 1903) والعالم الصوفي الجاوي".
ويُعرف الكيائي صالح دارات بأنه أحد علماء الأرخبيل البارزين الذين تميزوا بغزارة الإنتاج والكتابة في العلوم الإسلامية، بما في ذلك مجالات تفسير القرآن والتصوف. كما يُسجل له التاريخ أنه كان معلماً ومرشداً لعدد من الشخصيات التاريخية الهامة في إندونيسيا، ومن أبرزهم: رادين أجينج كارتيني، والشيخ أحمد دحلان (مؤسس جمعية المحمدية)، والشيخ هاشم أشعري (مؤسس جمعية نهضة العلماء).
وأعرب البروفيسور عُمان عن اهتمامه الكبير بالمشاركة كمناقش في هذه الأطروحة نظراً لطبيعة موضوعها الذي يدرس تقاليد تفسير القرآن والفكر الصوفي في جاوا. ووفقاً لرأيه، فإن مثل هذه الدراسات تحمل أهمية بالغة وأبعاداً جوهرية في فهم التراث الفكري الإسلامي الغني في منطقة نوسانتارا.
وفي هذا السياق، صرّح البروفيسور عُمان قائلاً: "عندما طلبت مني جامعة لايدن بيان مدى استعدادي للمشاركة كمناقش، وقمت بقراءة الملخص وفهرس المحتويات، أعلنت موافقتي على الفور. إن الموضوع جاذب للغاية لأنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتقاليد الفكرية لإسلام نوسانتارا، وهو المجال الذي يمثل بؤرة اهتمامي وتركيزي البحثي طوال الفترات الماضية".
كما أشاد بقوة الأداء الأكاديمي للباحث نور أحمد، مؤكداً أنه تمكن من الدفاع عن أطروحته وحججه العلمية بشكل ممتاز وطوال فترة انعقاد الجلسة. وأشار إلى أن إجراءات نيل درجة الدكتوراه في جامعة لايدن تتطلب كفاءة علمية وقدرات أكاديمية راسخة، نظراً لأن الباحث (المرشح) يتعين عليه الرد بدقة على مختلف الأسئلة النقدية والمعمقة التي يطرحها أعضاء لجنة المناقشة.
وقد أقيمت جلسة مناقشة الدكتوراه في "المدرج الكبير" (Groot Auditorium) بالمبنى الأكاديمي (Academy Building) الواقع في شارع رابنبورغ 73 بمدينة لايدن، وهو أحد القاعات التاريخية العريقة بجامعة لايدن. وحضر البروفيسور عُمان بصفته مناقشاً ومراجعاً (Opponent) إلى جانب نخبة من كبار العلماء والأكاديميين المرموقين على مستوى العالم، ومن بينهم: البروفيسور الدكتور نيكو كابتين، والبروفيسور الدكتور بن أربس، والبروفيسور الدكتور إدوين فيرينجا، والبروفيسور الدكتورة يوهانا بينك، والبروفيسور ويليم فان دير مولين، والدكتورة فيرينا ماير.
وخلال المناقشة، وجّه البروفيسور عُمان سؤالاً دقيقاً حول الموقف الفكري والمنهجي للكيائي صالح دارات في تعامله مع عقيدة ومذهب "وحدة الوجود" الصوفي (أو المدرسة الأكبرية نسبة للشيخ محيي الدين بن عربي) التي شهدت انتشاراً وتطوراً في جاوا خلال القرن التاسع عشر الميلادي. ونبع هذا السؤال من واقع اهتمامه البحثي والشخصي العميق بدراسة الحركية والديناميكية التي ميزت الفكر والتصوف ضمن التراث الإسلامي في نوسانتارا.
وأوضح البروفيسور عُمان أن البحث والدراسة في نتاج شخصيات علمية بارزة مثل الكيائي صالح دارات والشيخ عبد الصمد الفلمباني يبرهن بوضوح على مدى الثراء والتنوع والحيوية التي اتسمت بها التقاليد الفكرية الإسلامية في إندونيسيا. كما اعتبر أن التباين والاختلاف في وجهات النظر بين هؤلاء العلماء يمثل دليلاً ساطعاً على أن العلوم المعرفية لإسلام نوسانتارا نمت وتطورت من خلال قنوات الحوار والمناظرات الفكرية المثمرة والبنّاءة.
وعلاوة على ذلك، يرى البروفيسور عُمان أن مشاركته كعضو في لجنة المناقشة بجامعة لايدن تشكل دفعة وزخماً هاماً نحو تعزيز مكانة دراسات مخطوطات الأرخبيل على الصعيد الدولي؛ لا سيما وأن جامعة لايدن لا تزال تصنف حتى اليوم كواحدة من أكبر المراكز العالمية التي تحصن وتضم أضخم مجموعات المخطوطات التراثية الخاصة بمنطقة نوسانتارا في العالم.
وأكد مجدداً على هذه الرؤية بقوله: "هذا يمثل دليلاً ملموساً آخر على الأهمية البالغة التي تكتسيها منهجية (الفيلولوجيا بلس). إن دراسة وتحقيق المخطوطات لن يقدم إسهامات وفؤائد حقيقية كبرى إلا عندما يتم دمجها وربطها بالمناهج المتعددة التخصصات، وجعلها تتكامل مع مختلف الحقول المعرفية والعلمية الأخرى".
ويُعرف البروفيسور عُمان فتح الرحمن على نطاق واسع بأنه أحد كبار الخبراء والمتخصصين في مجال المخطوطات الإسلامية الخاصة بنوسانتارا في إندونيسيا. وإلى جانب عطائه التدريسي والأكاديمي في جامعة جاكرتا الإسلامية الحكومية، فهو يتولى أيضاً قيادة وإدارة برنامج DREAMSEA (المستودع الرقمي للمخطوطات المهددة بالانقراض والمتضررة في جنوب شرق آسيا)، وهو عبارة عن مبادرة إقليمية تهدف إلى حماية وصون مخطوطات التراث في جنوب شرق آسيا عبر تحويلها إلى صيغ رقمية.
كما قام بتأسيس وتطوير برنامج "نغاريكسا" (Ngariksa - Ngaji Manuskrip Kuno Nusantara)، وهو فضاء معرفي ومنصة رقمية تُعنى بمدارسة وقراءة المخطوطات القديمة، وتهدف إلى تعريف شرائح المجتمع الواسعة بالثراء المعرفي والتنوع المخطوط الذي يذخر به الأرخبيل. وتقديراً لجهوده وإسهاماته الاستثنائية في تطوير دراسات المخطوطات والحفاظ على الموروث الثقافي، نال البروفيسور عُمان جائزة حبيبي (Habibie Prize) المرموقة في مجالات الفلسفة والدين والثقافة لعام 2023.
إن مشاركة البروفيسور عُمان كمناقش دكتوراه في جامعة لايدن تعكس في الوقت ذاته الحضور المتنامي والأثر الفاعل لأكاديميي وباحثي جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا في منظومة وصناعة المعرفة العالمية، وتحديداً في مجالات تطوير دراسات إسلام نوسانتارا والمخطوطات والآثار الدينية.
(Zm)
