الهجرة كمنطلق للتغيير الحضاري

الهجرة كمنطلق للتغيير الحضاري

الأستاذ الدكتور أحمد ثعلبي خارلي

(الأستاذ المبرّز بجامعة شريف هيداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا)

دائمًا ما يفتح رأس السنة الهجرية مساحة هامة للتأمل والمراجعة لدى الأمة الإسلامية. فشهر المحرم لا يؤذن ببدء تقويم جديد فحسب، بل يعيد إلى الأذهان أحد أبرز الأحداث المفصلية في التاريخ الإسلامي، وهو هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة المنورة.

لقد دشّن هذا الحدث فصلاً جديداً في مسيرة الأمة، وغدا الركيزة الأساسية لولادة مجتمع يرتكز على العدالة، والأخوة، والثقة، واحترام الكرامة الإنسانية.

وبعد مرور أكثر من أربعة عشر قرناً، لا تزال الهجرة تنبض بحيوية دافقة؛ إذ لم تتوقف قيمتها عند أبعادها التاريخية فحسب، بل استمرت في تقديم الإلهام للمجتمعات التي تبحث عن مسارات التقدم والتطور. ومن هذا المنظور، يمكن فهم الهجرة بوصفها "نموذجاً للتغيير" يوجه المجتمع لقراءة تحديات عصره، وترسيخ أسسه الأخلاقية، وبناء مستقبل أفضل.

لقد سجلت إندونيسيا جملة من الإنجازات الهامة في مسيرة التنمية الوطنية؛ حيث استقر النمو الاقتصادي نسبياً، واتسعت آفاق التعليم، وشهدت الممارسة الديمقراطية نضجاً مستمراً. وبموازاة ذلك، لا تزال هناك ملفات إستراتيجية تتطلب اهتماماً مستداماً، لا سيما ما يتعلق بتعزيز النزاهة العامة، وتوزيع الثروة العادل، ورفع كفاءة الموارد البشرية، وتمتين التماسك الاجتماعي.

وهنا، يتيح شهر المحرم فضاءً تأملياً يكتسب أهمية بالغة لقراءة هذه الملفات. إن مسيرة الأمة تحتاج إلى توجه واضح، وقاعدة أخلاقية صلبة، وقدرة على إدارة التغيير بشكل مستدام. وفي هذا السياق بالذات، تجد روح الهجرة معناها العميق في تفاصيل الحياة الوطنية.

في تفسير الهجرة

تُقدّم هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجاً جلياً في الاستجابة لتحديات التاريخ برؤية استشرافية؛ إذ سرعان ما تحولت المدينة المنورة إلى مركز حضاري يدمج بين القوة الروحية، والتضامن الاجتماعي، والحوكمة الراشدة، واحترام التنوع المجتمعي.

ويتسق هذا الطرح تماماً مع رؤية ابن خلدون (1377م) الذي يرى أن قوة الحضارة تقوم على التضامن الاجتماعي (العصبية)، والعدالة، وجودة القيادة. بل إنه أكد أن الظلم يعد أحد الأسباب الرئيسة لخراب العمران وسقوط الحضارات. فحينما تُصان هذه العناصر الثلاثة، يمتلك المجتمع طاقة جماعية تدفعه نحو النمو والتقدم.

إن هذا الدرس يحمل إسقاطات قوية على الواقع الإندونيسي. ففي ظل الحراك العالمي المتسارع والمحتدم بالتنافسية، تحتاج الأمة إلى تعزيز رأس المال الاجتماعي القادر على صهر مختلف مكونات المجتمع نحو تحقيق غايات مشتركة. وتعد الثقة العامة، والتكافل (Gotong Royong)، والالتزام بالمصلحة العليا، ركائز أساسية لتمتين جدار الحماية الوطني.

وفي الوقت ذاته، تتطلب التنمية أساساً من النزاهة المستمرة. وقد أظهر تقرير مؤشر مدركات الفساد (CPI) لعام 2025 أن النظرة العامة إلى حوكمة القطاع العام في إندونيسيا لا تزال تواجه تحديات تستدعي المعالجة عبر تعزيز المساءلة والشفافية. وفي المقابل، سجلت هيئة الإحصاء المركزية (BPS) انخفاضاً في معامل "جيني" للفوارق الطبقية في إندونيسيا ليبلغ 0.363 في سبتمبر 2025، مقارنة بـ 0.375 في مارس 2025 و0.381 في سبتمبر 2024.

إن هذه المؤشرات مجتمعة تُذكرنا بأن تحقيق التقدم يتطلب اتساقاً وثباتاً في بناء منظومة حوكمة خاضعة للمساءلة، وتتسم بالمهنية، وتتمحور حول خدمة الصالح العام.

كما تقدم تجربة الهجرة درساً بليغاً في أهمية بناء الثقة الاجتماعية؛ إذ أوجدت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار مناخاً من التآزر سمح للمجتمع بالنمو بشكل احتوائي وشامل. وغدا التضامن طاقة تعزز الصمود الاجتماعي، وتفتح الآفاق أمام الفئات التي تحتاج إلى الدعم والمساندة.

ولا تزال هذه القيمة حية حتى يومنا هذا؛ ويمثل دعم الاقتصاد الشعبي، وتطوير المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة، وتحقيق الاستفادة القصوى من الزكاة والأوقاف الإنتاجية، إلى جانب شتى صور التكافل الاجتماعي، جزءاً أصيلاً من السعي لتوسيع ثمار التنمية لتشمل شرائح المجتمع كافة.

أجندة الحضارة

إلى جانب تمتين التضامن الاجتماعي، صاغ الرسول صلى الله عليه وسلم "وثيقة المدينة" لتكون حجر الأساس للحياة المشتركة. وقد برهنت هذه الوثيقة على كيفية تعايش مجتمع متعدد الأعراق والأديان في إطار تعاقدي يضمن الحقوق والواجبات ويوفر الأمان لجميع المواطنين. وينظر الكثير من علماء السياسة المحدثين إلى وثيقة المدينة كواحدة من أقدم النماذج لتدبير حياة المجتمعات التي تحترم التعددية في ظلال العدالة.

وفي السياق ذاته، يوضح المفكر المسلم المعاصر مالك بن نبي (1948م) أن نهضة الحضارات تولد من شبكة العلاقات التي تربط بين الإنسان والتراب والوقت، وتُحركها فكرة محورية كبرى. ووفقاً لرؤيته، فإن قيمة الأمة تتحدد بمدى قدرتها على بناء وعي جماعي يوجه الطاقات والقدرات نحو هدف موحد.

ومن هذا المنطلق، يغدو تطوير الموارد البشرية الأجندة الأكثر حسماً وحيوية؛ فالتعليم النوعي، وثقافة القراءة والاطلاع، واستيعاب التكنولوجيا، وترسيخ القيم الأخلاقية، هي استثمارات طويلة الأجل ستحدد موقع إندونيسيا على الخارطة المستقبلية.

وكان المفكر نور خالص مجيد (1987م) قد ذكّر بأن الإسلام يحمل في طياته روحاً تقدمية تدفع نحو التجدد المستمر. إن الحياة الدينية تمد المجتمع بطاقة أخلاقية تربط بين الصلاح الفردي والمسؤولية الاجتماعية، وهي روح تدعو كل فرد إلى توسيع دائرة عطائه وإسهامه في رفعة مجتمعه.

لذا، يمكن تفكيك دلالة المحرم بوصفه محطة لتجديد بوصلة الحياة المشتركة. إن روح الهجرة توجه الأنظار صوب ترسيخ النزاهة، ورفع كفاءة الموارد البشرية، وتطوير العلوم، وتعميق التضامن الاجتماعي، باعتبارها الركائز الأساسية لبناء حضارة متقدمة.

إن المحرم يذكرنا بأن التغيير يبدأ دائماً من الرغبة الصادقة في إصلاح الذات، وتقوية المؤسسات، وتوسيع آفاق النفع للآخرين. وبهذه الروح تحديداً، تبقى الهجرة ملهمة وحاضرة لتعزيز الجهود في بناء إندونيسيا قائمة على العدالة، والتقدم، والتحضر.

> نُشر هذا المقال في عمود صحيفة "جوا بوس" (Jawa Pos) يوم الثلاثاء (16 يونيو 2026).