القيادة التحويلية في التعليم العالي
أحمد طولابي خَرْلي
(أستاذ في جامعة شريف هداية الله الإسلامية في جاكرتا، عضو مجلس التعليم العالي بوزارة التعليم العالي والعلوم والتكنولوجيا في جمهورية إندونيسيا)
تواجه مؤسسات التعليم العالي اليوم ضغوطاً تحولية غير مسبوقة. فقد غيّرت الثورة الرقمية بنية المعرفة من نموذج هرمي إلى شبكة مفتوحة. كما أدت عولمة اقتصاد المعرفة إلى خلق منافسة عابرة للحدود تزداد حدة يوماً بعد يوم. وفي الوقت نفسه، أفرزت تحولات خصائص الجيل الجديد تحديات جديدة أمام السلطة الأكاديمية، وأنماط التعلم، وشرعية المؤسسات.
يعيش طلاب الجيل الحالي في بيئة معلوماتية سائلة وسريعة ومتعددة. ولم يعودوا يعتمدون على مصدر واحد للمعرفة، بل اعتادوا الوصول إلى مصادر التعلم من مختلف المنصات الرقمية، مع تطوير نظرة نقدية تجاه المؤسسات الرسمية.
في مثل هذا السياق، لم تعد أهمية الجامعات تُقاس بفخامة البنية التحتية أو اكتمال المرافق، بل بقدرة القيادة على قراءة التحولات التاريخية.
أزمة التوجه
تتمثل الأزمة الرئيسية التي تواجه العديد من مؤسسات التعليم العالي اليوم في توجهات القيادة في توجيه واستثمار الموارد المتاحة. فالكثير من المؤسسات تعاني من الجمود ليس بسبب نقص التمويل أو الكوادر الأكاديمية، بل نتيجة قيادة عالقة في الروتين الإداري. فالقيادة التي تركز بشكل مفرط على الإجراءات البيروقراطية تفقد في كثير من الأحيان حساسيتها تجاه التحولات الاجتماعية الأوسع.
في هذا السياق، تكتسب تصريحات وزير الشؤون الدينية الإندونيسي، نصار الدين عمر، خلال اجتماع العمل في جامعة شريف هداية الله جاكرتا (14/2/2026) أهمية فكرية خاصة. فقد أكد أن تحول التعليم العالي هو حتمية تاريخية ناجمة عن التغيرات الاجتماعية وخصائص الجيل الجديد، مما يتطلب ابتكاراً في الجوانب الأكاديمية والخدمية، وتعزيز الإسهام المجتمعي.
تحمل هذه التصريحات في جوهرها دلالات إبستمولوجية عميقة. إذ لا يمكن فهم تحول التعليم العالي على أنه مجرد تغيير هيكلي أو إداري، بل ينبغي اعتباره تحولاً في نموذج القيادة. فبدون تحول قيادي حقيقي، ستبقى التغييرات المؤسسية مجرد إصلاحات إجرائية سطحية.
ويُظهر تاريخ التعليم العالي أن تقدم المؤسسات يرتبط دائماً بجودة القيادة القادرة على استشراف اتجاهات العصر. فالجامعات الكبرى في العالم لم تنشأ فقط نتيجة سياسات إدارية، بل بفضل رؤى أخلاقية لقادتها، الذين استطاعوا الجمع بين التميز الفكري والالتزام القيمي.
وفي دراسات القيادة الحديثة، يؤكد جيمس ماكغريغور بيرنز في كتابه "القيادة" (1978) أن القيادة التحويلية تعمل من خلال قدرة القائد على رفع الوعي الأخلاقي لأتباعه، بحيث تتحرك المنظمة ليس فقط بدافع الامتثال الهيكلي، بل بدافع الالتزام القيمي المشترك.
ويؤكد هذا المنظور أن تحول مؤسسات التعليم العالي هو في جوهره عملية تغيير في الوعي الجمعي، وليس مجرد إعادة هيكلة إدارية.
روحانية القيادة
في التراث الفكري الإسلامي، لم تُفهم القيادة يوماً باعتبارها مجرد بنية سلطوية، بل وُضعت دائماً في إطار الأمانة والمسؤولية الأخلاقية. فهي وظيفة إدارية تمارس في الوقت نفسه كفعل أخلاقي يجمع بين العقلانية الاستراتيجية والوعي الروحي.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في سياق القيادة التحويلية القائمة على الروحانية، التي تؤكد أن القائد يتحمل مسؤولية لا تقتصر على أداء المؤسسة، بل تشمل أيضاً البعد الإنساني والقيمي الذي يضمن استمراريتها.
إن الروحانية في القيادة ليست مجرد تدين رمزي أو خطاب أخلاقي، بل هي وعي عميق بأن السلطة تحمل بعداً متعالياً. فالقائد يمارس دوره داخل النظام البيروقراطي، مع إدراكه للسياق التاريخي والقيم الإنسانية.
وفي سياق التعليم العالي، تمثل روحانية القيادة بوصلة أخلاقية توازن بين متطلبات المنافسة العالمية ورسالة التعليم الإنسانية. وبدون هذا البعد، قد تتحول عملية الإصلاح إلى مسار تقني فارغ من المعنى.
كما أن القيادة القائمة على الروحانية تتطلب النزاهة كمصدر رئيسي للشرعية. فلا تستند الشرعية إلى المنصب، بل إلى القدوة الأخلاقية. ويصبح القائد شخصية ملهمة، لا مجرد مدير.
ويؤكد هذا النموذج أيضاً أهمية القيادة التمكينية، حيث يُستخدم النفوذ لبناء القدرات الجماعية وتعزيز الثقة التي تتيح المشاركة. وفي هذه الحالة، تتحرك المؤسسة من خلال وعي جماعي مشترك.
كما تمنح الروحانية عمقاً تأملياً في اتخاذ القرار، حيث تتكامل العقلانية الأداتية مع الاعتبارات الأخلاقية، بحيث تُقيّم السياسات ليس فقط من حيث الكفاءة، بل أيضاً من حيث الكرامة الإنسانية.
القيادة التحويلية
إن تحول التعليم العالي هو في نهاية المطاف عملية حضارية تتحقق من خلال تعزيز المؤسسات. وفي هذا الإطار، تصبح الجامعة فضاءً لإنتاج النخب الفكرية والأخلاقية، مما يجعل تطوراتها تؤثر في مستقبل الأمة.
ولا يمكن تحقيق هذا التحول بفعالية إلا من خلال قيادة تمتلك رؤية واضحة، وقدرة على التكيف مع تغيرات الأجيال، وتمكين الموارد البشرية باعتبارها محور التقدم.
ويحمل ذلك رسالة استراتيجية مفادها أن القيادة التحويلية لا تقتصر على المهارات الإدارية، بل تشمل القدرة على بناء رؤية حضارية. فالقائد لا يدير المؤسسة فحسب، بل يوجه مستقبلها الفكري.
ومن منظور علم اجتماع التعليم، تقوم القيادة التحويلية بثلاث وظائف رئيسية.
أولاً، إنتاج الرؤية، حيث يجب على القائد تحديد اتجاه المؤسسة في ظل التحولات العالمية، لأن غياب الرؤية يؤدي إلى الجمود الإداري.
ثانياً، تحفيز الابتكار، من خلال خلق بيئة تشجع الإبداع والجرأة الفكرية، وتحويل الثقافة البيروقراطية إلى ثقافة تعلم.
ثالثاً، حماية الأخلاق الحضارية، عبر تحقيق التوازن بين المنافسة العالمية والقيم الإنسانية، وهو دور بالغ الأهمية في عالم يزداد براغماتية.
إن التعليم العالي في المستقبل يحتاج إلى قيادة قادرة على دمج التكنولوجيا بالأخلاق، والعقلانية بالروحانية، والابتكار بالمسؤولية الاجتماعية. وبدون هذا التكامل، قد تفقد الجامعات هويتها كمؤسسات لصناعة الحضارة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية القيادة التحويلية القائمة على الروحانية، باعتبارها تعيد القيادة إلى جوهرها كأمانة أخلاقية ومسؤولية تاريخية في توجيه المسار الحضاري للتعليم.
نُشر هذا المقال في صحيفة ديسواي يوم السبت، 14 مارس 2026.
