العودة إلى الوطن كمحرك اقتصادي موسمي لإندونيسيا

العودة إلى الوطن كمحرك اقتصادي موسمي لإندونيسيا

محمد نور ريانتو العارف
(أستاذ في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية، مساعد المبعوث الخاص لرئيس الجمهورية لشؤون الأمن الغذائي، الأمين العام للجمعية الإندونيسية لأعضاء هيئة التدريس، عضو إدارة IAEI، وعضو ISEI فرع جاكرتا)

كل عام، وقبيل عيد الفطر، تشهد إندونيسيا ظاهرة اجتماعية فريدة وضخمة تُعرف باسم “الموديك” (العودة إلى مسقط الرأس). وهذه العادة لا تقتصر على كونها رحلة عاطفية للقاء العائلة، بل تمثل أيضاً واحدة من أكبر الظواهر الاقتصادية في البلاد.

وخلال بضعة أسابيع، ترتفع حركة تنقل الناس بشكل كبير، ويزداد الاستهلاك، وتنشط الحركة الاقتصادية من المدن الكبرى إلى القرى في مختلف أنحاء البلاد.

وعليه، لا يمكن فهم “الموديك” بوصفه تقليداً ثقافياً فحسب، بل هو أيضاً ظاهرة اقتصادية. فهو يخلق دورة مالية ضخمة، ويحفّز النشاط التجاري، وينشّط قطاعات النقل والسياحة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة. وفي هذا السياق، يمكن اعتباره أحد أهم مواسم الاقتصاد الشعبي في إندونيسيا.

تحاول هذه المقالة قراءة ظاهرة الموديك من منظور اقتصادي، من حيث كيفية دوران الأموال، والقطاعات المستفيدة، وتأثيرها على المناطق، وانعكاساتها على الاقتصاد الوطني.

تُعدّ “الموديك” تقليداً متجذراً في المجتمع الإندونيسي. ومن الناحية السوسيولوجية، تمثل هذه الظاهرة الروابط العاطفية بين سكان المدن وأصولهم في القرى. فقد أدت موجات التحضر خلال العقود الماضية إلى انتقال ملايين الأشخاص للعمل في مدن مثل جاكرتا وسورابايا وباندونغ، بينما بقيت جذورهم الاجتماعية في القرى.

لذلك، يصبح عيد الفطر مناسبة مهمة للعودة، وصلة الرحم، وتقاسم السعادة مع الأسرة. غير أن تحرك ملايين الأشخاص في وقت واحد لا يحمل آثاراً اجتماعية فقط، بل اقتصادية أيضاً.

فكل مسافر يحمل معه المال، ويشتري تذاكر السفر، ويقتني الهدايا، ويستهلك الطعام أثناء الرحلة، وينفق أمواله في قريته. وهذه السلسلة من الأنشطة تخلق تأثيراً اقتصادياً واسعاً.

تشير البيانات إلى أن حجم ظاهرة الموديك في إندونيسيا ضخم للغاية. ففي موسم عيد الفطر لعام 2025، قُدّر عدد المسافرين بنحو 146.48 مليون شخص، أي حوالي 52% من إجمالي السكان.

ورغم أن هذا العدد أقل من عام 2024 الذي بلغ 193.6 مليون مسافر، فإنه يظل دليلاً على حجم الحركة الكبيرة خلال العيد، مما يجعل “الموديك” واحدة من أكبر حركات التنقل البشري في العالم التي تتكرر سنوياً.

أما في عام 2026، فتتوقع وزارة النقل انخفاضاً طفيفاً مقارنة بالعام السابق، حيث يُقدّر عدد المسافرين بنحو 143.9 مليون شخص، أي بتراجع يقارب 1.7%.

من الناحية الاقتصادية، يمثل “الموديك” لحظة ضخمة لدوران الأموال. ففي عام 2024، قُدّر حجم الأموال المتداولة خلال رمضان والعيد بنحو 157.3 تريليون روبية. وفي عام 2025 تراوح بين 137 و145 تريليون روبية. أما في عام 2026، فمن المتوقع أن يصل إلى نحو 190 تريليون روبية.

تعكس هذه الأرقام أن “الموديك” ليس مجرد عودة إلى الوطن، بل آلية لإعادة توزيع الثروة من المدن إلى المناطق. إذ تتركز الأنشطة الاقتصادية عادة في المدن الكبرى، خاصة في جزيرة جاوة.

ويُعدّ “الموديك” فرصة لعودة الأموال إلى المناطق الأصلية للعمال. وليس من المستغرب أن نحو 60% من هذه الأموال يتم تداولها في جزيرة جاوة، حيث يتركز معظم المسافرين. ومن منظور الاقتصاد الإقليمي، يمكن اعتبار هذه الظاهرة شكلاً من أشكال إعادة التوزيع الموسمية.

ومن أبرز العوامل التي تدفع اقتصاد “الموديك” صرف “بدل العيد” (THR). فقبل العيد، تُلزم الشركات بدفع هذا البدل للموظفين، والذي يصبح المصدر الرئيسي للاستهلاك خلال رمضان والعيد.

ويُستخدم هذا المال لتغطية تكاليف السفر، وشراء مستلزمات العيد، والملابس الجديدة، وتقديم الأموال للعائلة، إضافة إلى الصدقات والزكاة. ويؤدي ذلك إلى ارتفاع كبير في الاستهلاك، مما يخلق دورة اقتصادية قوية.

فيشهد قطاع التجزئة زيادة في المبيعات، وتزدحم الأسواق، وتمتلئ المراكز التجارية بالزوار، وترتفع المعاملات الرقمية بشكل ملحوظ.

وفي الاقتصاد الكلي، يمكن تفسير هذه الظاهرة بمفهوم “صدمة الاستهلاك”، أي الارتفاع المفاجئ في الإنفاق خلال فترة معينة، مما يعزز النمو الاقتصادي قصير الأجل.

ولهذا، يرى العديد من الاقتصاديين أن رمضان والعيد يشكلان أحد محركات النمو في الربع الأول أو الثاني من العام في إندونيسيا.

يخلق اقتصاد “الموديك” تأثيرات مضاعفة تمتد إلى قطاعات عديدة. ويُعد قطاع النقل الأكثر تأثراً، حيث ترتفع الطلبات على الطائرات والقطارات والحافلات والسفن وخدمات السفر.

كما يشهد النقل البري، خاصة السيارات والحافلات، إقبالاً كبيراً، إضافة إلى زيادة ملحوظة في عدد ركاب القطارات والطائرات. ويؤدي ذلك إلى زيادة إيرادات شركات النقل وتنشيط القطاعات المرتبطة مثل الوقود والخدمات اللوجستية ومواقف السيارات.

أما القطاع الثاني فهو السياحة، إذ غالباً ما يُدمج “الموديك” مع الرحلات السياحية. فيستغل المسافرون عطلة العيد لزيارة المعالم السياحية في مناطقهم، مما يؤدي إلى زيادة كبيرة في عدد الزوار.

وتشمل هذه الوجهات الشواطئ والمتنزهات والمواقع الطبيعية، كما تستفيد الفنادق والمطاعم وقطاع الأغذية من هذه الحركة.

ومن أبرز الآثار الإيجابية لـ“الموديك” انتعاش الاقتصاد المحلي. فالمسافرون يجلبون الأموال وينفقونها في الأسواق المحلية، مما يعود بالنفع على الباعة والتجار وأصحاب المشاريع الصغيرة.

وبالنسبة لكثير من القرى، يُعد العيد فترة انتعاش اقتصادي حقيقي.

كما يشهد قطاع التجزئة ازدهاراً ملحوظاً، حيث ترتفع مبيعات الملابس والأطعمة والحلويات والهدايا. ويُعد هذا القطاع أحد المحركات الرئيسية لاقتصاد “الموديك”.

ومن الجوانب المهمة أيضاً دوره في إعادة توزيع الثروة. فخلال العام، تتركز الأموال في المدن، لكن أثناء “الموديك” تنتقل مؤقتاً إلى القرى، مما يعزز القدرة الشرائية ويقوي المشروعات الصغيرة.

ورغم هذه الفوائد، يواجه “الموديك” تحديات عدة، منها تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع أسعار تذاكر النقل، وعدم المساواة الاقتصادية.

كما أن تأثيره غالباً ما يكون مؤقتاً، إذ تعود الأنشطة الاقتصادية إلى المدن بعد انتهاء العيد.

من منظور الاقتصاد الكلي، يساهم “الموديك” في زيادة الاستهلاك، وتحفيز النشاط الاقتصادي الإقليمي، وخلق تأثيرات مضاعفة في مختلف القطاعات.

وبالنظر إلى إمكاناته، تبرز الحاجة إلى تعظيم فوائده من خلال دعم المشروعات الصغيرة، وتطوير السياحة، وتعزيز التحول الرقمي، والاستثمار في البنية التحتية.

في الختام، يُعد “الموديك” ظاهرة تجمع بين القيم الثقافية والديناميات الاقتصادية. فهو لا يعكس فقط تقاليد المجتمع، بل يمثل أيضاً قوة اقتصادية هائلة تحرك مليارات الروبيات سنوياً.

ومن هنا، فإن فهم اقتصاد “الموديك” هو فهم لنبض الاقتصاد الإندونيسي ذاته: ديناميكي، جماعي، ومليء بالطاقة الاجتماعية. وإذا أُحسن إدارته، يمكن أن يصبح أداة لتعزيز التنمية الإقليمية وتحقيق العدالة الاقتصادية.

نُشر هذا المقال في CNBC إندونيسيا يوم الخميس، 12 مارس 2026.

الوسوم: أستاذ جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية في جاكرتا