وجود جماعات الأقليات

وجود جماعات الأقليات

ناصر الدين عمر
(أستاذ علم التفسير بكلية أصول الدين في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا،
وزير الشؤون الدينية في جمهورية إندونيسيا)

إن وجود الأقليات في أي منطقة يحمل حكمة خاصة في تحقيق النضج الاجتماعي. واحترام الأقليات يُعد من التعاليم الأساسية في الإسلام.

وتستند هذه المبادئ إلى نصوص كثيرة في القرآن الكريم والحديث النبوي، كما طُبِّقت عمليًا في عهد النبي محمد ﷺ وصحابته. ومن ذلك ما رواه صفوان بن سليم أن النبي ﷺ قال: "من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير رضاه، فأنا خصمه يوم القيامة" (رواه أبو داود).

وهذا الحديث عظيم الدلالة، إذ يُظهر بوضوح وقوف النبي ﷺ إلى جانب المظلومين والمضطهدين والمُهانين، دون تمييز على أساس الجنس أو العرق أو الدين أو المعتقد. وهو ينسجم مع روح قوله تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ" (الإسراء: 70).

وقد واصل الصحابة هذا النهج. ففي إحدى المرات، خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتفقد أحوال الناس، فرأى جماعة من غير المسلمين يُعذَّبون بتركهم تحت أشعة الشمس الحارقة في إحدى مناطق الشام (سوريا). فسأل عن سبب ذلك، فقيل له: إنهم امتنعوا عن دفع الجزية.

فلم يوافق الخليفة عمر على هذا الأسلوب، وأمر برفع هذا العقاب عنهم. كما أوصى الولاة بعدم تكليفهم ما لا يطيقون، وأن يُعامَلوا معاملة إنسانية كما يُعامَل المسلمون.

كما وجد عمر يومًا شيخًا كبيرًا أعمى من غير المسلمين يتسوّل، فسأله: "من أي أهل الكتاب أنت أيها الشيخ؟" فقال: "أنا يهودي." فسأله عمر: "ما الذي أوصلك إلى هذا الحال؟" فقال: "أحتاج إلى الطعام وقوتي اليومي."

فأخذه عمر إلى بيته، وكتب مذكرة إلى بيت المال جاء فيها: "انظروا إلى هذا وأمثاله. والله ما أنصفناه إن أكلنا من ماله في شبابه وتركناه في شيخوخته. إن الصدقات للفقراء والمساكين، وهؤلاء منهم؛ فالفقراء من المسلمين، وهذا من فقراء أهل الكتاب."

والمثير في هذه النصوص والتجارب أن المساعدة في الإسلام تتجاوز حدود الدين والثقافة. فهي لا تقتصر على المسلمين، بل تشمل غير المسلمين أيضًا، كما يتضح من سيرة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، وخاصة عمر بن الخطاب.

فالفقر والتخلف لا يقتصران على المسلمين، بل يصيبان أتباع ديانات أخرى أيضًا. وكل من يحتاج إلى المساعدة له الحق في الحصول عليها، حتى وإن كانت من بيت المال، كما جسّد ذلك عمر بن الخطاب.

وفي كتب الفقه، نجد نقاشًا واسعًا حول فقه الأقليات. ومن واجبات المسلمين تجاه الإنسانية جمعاء، دون تمييز ديني أو عرقي، إنقاذ المتضررين من مواقع الكوارث والمعاناة.

بل وحتى إذا كان الإنسان قد أصبح جثة، فإن من واجب الكفاية على المسلمين أن يتولوا دفنه. ويأثم أهل القرية جميعًا إذا تركوا جثة تطفو في النهر دون إنقاذها ودفنها، لأن الميت في الحقيقة حق لله (الميت حق الله)، ويجب تكريمه ودفنه.

نُشر هذا المقال في صحيفة «كومباس» يوم الثلاثاء، 17 مارس 2026.