طلاب المرحلة الجامعية الأولى وظلال اقتصاد العمل المؤقت

طلاب المرحلة الجامعية الأولى وظلال اقتصاد العمل المؤقت

أحمد طولابي خَرْلي
(أستاذ في جامعة شريف هداية الله الإسلامية في جاكرتا وعضو مجلس التعليم العالي)

ثمة مفارقة تتزايد وضوحاً في عالم العمل اليوم: فكلما ازداد عدد خريجي الجامعات، تراجعت ضمانات الحصول على عمل. إن الشهادة الأكاديمية التي كانت تُعدّ في السابق ضمانة للحراك الاجتماعي، لم تعد قادرة دائماً على تأمين الاستقرار المهني. وفي ظل نمو الاقتصاد الرقمي وأنماط العمل القائمة على المشاريع، يتجه سوق العمل نحو نظام أكثر مرونة، يُعرف لدى كثير من المراقبين باسم اقتصاد الأعمال الحرة (Gig Economy).

تتجلى هذه الظاهرة بشكل متزايد في تقارير حديثة حول سوق العمل. فقد سلطت صحيفة كومباس (5/3/2026) الضوء، على سبيل المثال، على تراجع مدة بقاء خريجي الجامعات في وظائفهم. وأظهر التقرير أن العاملين في القطاع الرسمي باتوا أكثر ميلاً لامتلاك أعمال جانبية، في حين تتجه الشركات إلى استخدام عقود قصيرة الأجل أو عمالة قائمة على المشاريع. وهكذا، أخذت العلاقة الوظيفية التي كانت مستقرة نسبياً تتحول تدريجياً إلى نمط أكثر مرونة وديناميكية.

قد يبدو هذا التغير للوهلة الأولى مجرد تطور طبيعي في الاقتصاد الحديث، لكن التمعّن فيه يكشف أنه يعكس تحولاً أعمق في بنية الاقتصاد العالمي. فالعالم يتجه من نموذج الوظائف الدائمة إلى نظام أكثر سيولة، قائم على الشبكات، ومتأثر بشكل متزايد بالتكنولوجيا الرقمية.

يشير اقتصاد الأعمال الحرة إلى نمط عمل لا يعتمد بالكامل على الوظائف الدائمة، بل على مشاريع قصيرة الأجل، أو عقود مؤقتة، أو خدمات عبر المنصات الرقمية. وفي هذا النظام، يمكن للفرد أن يعمل مع عدة جهات في الوقت نفسه أو ينتقل من وظيفة إلى أخرى وفقاً لاحتياجات السوق.

في بداياته، ارتبط اقتصاد الأعمال الحرة غالباً بوظائف المنصات الرقمية مثل سائقي النقل عبر التطبيقات أو مندوبي التوصيل. إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت أن هذا النمط بدأ يمتد إلى القطاعات المهنية. فالمستشارون، والمصممون، ومحللو البيانات، والكتّاب، وحتى بعض الأكاديميين، باتوا يعملون بشكل متزايد وفق عقود مشاريع أو أعمال حرة. وبعبارة أخرى، لم يعد هذا الاقتصاد مقتصراً على العمالة غير الرسمية، بل أصبح يشمل أيضاً فئة العمال المتعلمين، بما في ذلك خريجو الجامعات.


على مدى عقود، اعتُبر التعليم العالي الطريق الرئيسي للحراك الاجتماعي. وكان يُنظر إلى الشهادة الجامعية باعتبارها تذكرة نحو وظيفة مستقرة ومسار مهني واضح. إلا أن التحولات الاقتصادية العالمية بدأت تُعيد تشكيل هذه القناعة. فالتعليم لا يزال مهماً، لكنه لم يعد يضمن تلقائياً الاستقرار الوظيفي.

التحول الاقتصادي

لفهم هذه الظاهرة، ينبغي النظر إلى التغيرات الأوسع في بنية الاقتصاد العالمي. ففي دراسات الاقتصاد السياسي، يوضح ديفيد هارفي (1989) أن الرأسمالية منذ أواخر القرن العشرين شهدت تحولاً نحو ما يسميه “التراكم المرن”، حيث باتت أنظمة الإنتاج تتميز بمرونة تنظيمية، وحركية في سوق العمل، وقدرة على التكيف السريع مع تغيرات السوق.

أما عالم الاجتماع ريتشارد سنيت (1998) فقد وصف هذه الظاهرة بظهور “الرأسمالية المرنة”، حيث بدأت علاقات العمل طويلة الأجل، التي كانت تشكل أساس المسار المهني، في التآكل. وأصبحت الشركات تتجنب الالتزامات طويلة المدى تجاه العمال سعياً لتحقيق الكفاءة الاقتصادية.

وقد تسارعت هذه التحولات مع تطور التكنولوجيا الرقمية. ويشرح مانويل كاستلز (1996) في كتابه “صعود مجتمع الشبكة” أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو بنية شبكية مترابطة عبر تكنولوجيا المعلومات، حيث يجري الإنتاج والعمل من خلال شبكات مرنة وديناميكية.

كما أدت التكنولوجيا الرقمية إلى ظهور منصات عمل جديدة تربط مباشرة بين مقدمي الخدمات والمستخدمين. وتشير منظمة العمل الدولية (2021) إلى أن عدد العاملين عبر المنصات الرقمية شهد نمواً كبيراً خلال العقد الأخير.

بالنسبة للشركات، يوفر هذا النموذج كفاءة في التكاليف ومرونة تنظيمية. أما بالنسبة للعمال، خاصة الشباب والخريجين الجدد، فإنه يعني غالباً عدم الاستقرار الوظيفي.


الخريجون في اقتصاد سائل

تترتب على هذه التحولات آثار مهمة بالنسبة لخريجي الجامعات. ففي كثير من الحالات، لم يعد الخريجون يدخلون مباشرة في مسارات مهنية مستقرة، بل يبدأون بوظائف مؤقتة أو مشاريع قصيرة الأجل أو أعمال حرة. كما يضطر بعضهم إلى الجمع بين أكثر من وظيفة لضمان دخل مستقر.

وترتبط هذه الظاهرة أيضاً بزيادة أعداد خريجي التعليم العالي. ويصف عالم الاجتماع راندال كولينز (1979) هذه الحالة بـ“تضخم الشهادات”، حيث يؤدي تزايد عدد الحاصلين على الشهادات إلى تراجع قيمتها التمييزية في المجتمع.

ونتيجة لذلك، يصبح سوق العمل أكثر تنافسية. فبعض الوظائف التي كانت متاحة لخريجي المدارس الثانوية باتت تتطلب شهادة جامعية، ومع ذلك لا يحصل جميع الخريجين على وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم، وهي ظاهرة تُعرف بـ“فرط التأهيل” أو “نقص التوظيف”.

ويصف الاقتصادي غاي ستاندنغ (2011) ظهور هذه الفئة بأنها نشوء طبقة اجتماعية جديدة تُسمى “البركاريا”، وهي فئة تعيش في ظروف عمل غير مستقرة، مع ضمانات اجتماعية محدودة وآفاق مهنية غير واضحة. والمثير للاهتمام أن هذه الفئة لم تعد تقتصر على العمال ذوي التعليم المنخفض، بل تشمل أيضاً خريجي الجامعات.

أما عالم الاجتماع أولريش بيك (1992) فيصف هذا الواقع بأنه سمة من سمات “مجتمع المخاطر”، حيث تتزايد أشكال عدم اليقين في الحياة الحديثة، ويُطلب من الأفراد إدارة مخاطرهم بأنفسهم، بما في ذلك المخاطر المهنية.

في هذا السياق، يطرح اقتصاد الأعمال الحرة فرصاً جديدة، لكنه في الوقت نفسه يخلق قدراً كبيراً من عدم اليقين بالنسبة لجيل الخريجين.


دور التعليم العالي

في مواجهة هذه التحولات، لم يعد من الممكن النظر إلى التعليم العالي بوصفه مجرد مؤسسة لنقل المعرفة الأكاديمية. بل ينبغي أن تتحول الجامعات إلى مراكز للابتكار قادرة على الربط بين العالم الأكاديمي ومتطلبات الاقتصاد الجديد.

ويؤكد مانويل كاستلز (1996) أن الجامعات في مجتمع الشبكة تؤدي دوراً محورياً كمصدر للمعرفة ومحرك للاقتصاد القائم على الابتكار.

لذلك، ينبغي إعادة توجيه المناهج الدراسية لتكون أكثر استجابة لتغيرات سوق العمل. فإلى جانب المعرفة النظرية، يجب تنمية مهارات التكيف، والمهارات الرقمية، والعمل متعدد التخصصات، وحل المشكلات. وفي اقتصاد متغير، تصبح مهارة التعلم المستمر أكثر أهمية من التخصص الضيق.

كما يجب على الجامعات تعزيز بيئة ريادة الأعمال والابتكار، بحيث لا تقتصر على إعداد الباحثين عن عمل، بل تسهم أيضاً في خلق فرص العمل. وقد طورت العديد من الجامعات مراكز للابتكار وحاضنات أعمال وشراكات مع القطاع الصناعي.

وتزداد أهمية هذا الدور في الدول النامية مثل إندونيسيا، حيث إن زيادة عدد الخريجين دون نمو اقتصادي كافٍ قد تؤدي إلى اتساع الفجوة بين التعليم وسوق العمل.


في النهاية، قد يكون اقتصاد الأعمال الحرة أمراً لا مفر منه في ظل التحولات الاقتصادية العالمية. لكن الأهم هو كيفية التعامل معه. فإذا نجح التعليم العالي في إعداد خريجين مرنين ومبدعين، فقد يتحول هذا الاقتصاد إلى مجال واسع للفرص. أما في غياب الإصلاحات المناسبة، فقد يؤدي إلى نشوء جيل من الخريجين يعيش في حالة من عدم اليقين.

وهنا يتحدد مستقبل التعليم العالي: هل سيكون محركاً لاقتصاد المعرفة، أم مجرد مصنع للشهادات يفقد تدريجياً قدرته على ضمان الحراك الاجتماعي؟


نُشر هذا المقال في صحيفة «كومباس» يوم الأربعاء، 11 مارس 2026.