جيل بلا هوية وجودية

جيل بلا هوية وجودية

تانتان هيرمانساه
(مدرّس علم الاجتماع الحضري في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا)

يشهد عالم العمل اليوم صدمة كبيرة هذه الصدمة ليست ناتجة عن الآلات أو عن الذكاء الاصطناعي بل بسبب التحول الاجتماعي النفسي لدى الفاعلين فيه أي جيل زد

هذا الكيان أصبح ولا يزال وسيظل يشغل سوق العمل اليوم لذلك فإن أي تعبير مهما كان بسيطًا منهم في تعريف معنى العمل سيؤثر بشكل كبير على المؤسسات وجهات التوظيف

إذا قمنا بتحليل أطروحة مانويل كاستلز حول مجتمع الشبكات فإن جيل زد يظهر كقوة عمل قابلة لإعادة البرمجة ذاتيًا فهم قادرون على إعادة تعريف مهاراتهم باستمرار وسط تدفق المعلومات الذي يفرض عليهم التكيف الدائم

لكن وراء هذه المرونة تكمن مفارقة سوسيولوجية عميقة حيث إنهم جيل بهوية سائلة يتحدى استقرار الرأسمالية التقليدية

مشروع الهوية الوهمية
بالنسبة لبعض أفراد جيل زد لم يعد العمل مجرد عادة أو روتين لكسب العيش بل أصبح مشروع هوية وتشير بيانات سوق العمل لعام 2026 إلى ظاهرة لافتة حيث إن أكثر من 65 بالمئة منهم ينظرون إلى العمل بهذه الطريقة

وهذا يعني أنهم لا يضعون الراتب المرتفع كأولوية بل يبحثون عن الراحة ومساحة لتحقيق الذات وحتى عندما يسعون إلى دخل مرتفع فإن ذلك يرتبط بالهوية التي يرغبون في التعبير عنها

في هذا السياق يكتسب مفهوم الإيليوسيو عند بيير بورديو أهميته حيث يمتلك جيل زد إحساسًا مختلفًا بقواعد اللعبة فهم يفضلون استثمار وقتهم في تراكم رأس المال الثقافي الرقمي مثل بناء الهوية الشخصية والمهارات البرمجية بدلًا من السعي إلى الولاء لمؤسسة واحدة

وبذلك يصبحون عرضة لعدم الاستقرار الوظيفي لأن التنقل بين المهن بالنسبة لهم يعد شكلًا من أشكال التكيف وليس فشلًا

غير أن هذه المرونة تشبه سيفًا ذا حدين فمن جهة هم قادرون على التكيف مع اقتصاد العمل الحر القائم على المشاريع والنتائج ولا يجدون صعوبة في تحقيق الأهداف ضمن مهل زمنية ضيقة كما أنهم يرفضون قيود ساعات العمل التقليدية التي يرونها جامدة وغير مرتبطة بالإنتاجية

لكن من جهة أخرى تخلق هذه المرونة هشاشة واضحة حيث يقع كثير من أفراد جيل زد في البطالة ليس بسبب نقص المهارات بل بسبب صعوبة التكيف مع ضغوط الواقع الخارجي

من الناحية السوسيولوجية يفتقدون ما يسميه أنتوني غيدنز بالأمن الوجودي فإذا كانت الأجيال السابقة تشعر بالأمان من خلال الوظائف الدائمة فإن جيل زد يشعر بالتهديد إذا حُصر في هوية ثابتة

وكأن عدم اليقين أصبح اليقين الوحيد لديهم لأنه يتيح لهم خوض تجارب متعددة واستكشاف تنوع واسع من الخبرات والواقع

رأس المال الرمزي مقابل رأس المال المهاري
لقد تحول سوق العمل إلى ساحة صراع للرأسمال الرمزي حيث أصبحت الصورة الرقمية والأداء على وسائل التواصل الاجتماعي في كثير من الأحيان أكثر قيمة من الكفاءة التقنية

وقد أدى ذلك إلى مرونة ثقافية كبيرة لكنه خلق فجوة مع نظام الإنتاج الرأسمالي التقليدي الذي لا يزال يعتمد على الاستقرار والقدرة على التنبؤ

تحديات المؤسسات
تواجه الدولة والمؤسسات الخاصة التي لا تزال تُدار بعقليات تقليدية تحديًا وجوديًا حقيقيًا فإذا لم يتم إعادة تعريف فهم سيكولوجية عمل جيل زد فإن هذه المؤسسات ستفقد أهميتها

لأن هذا الجيل لم يعد يرغب في أن يكون مقيدًا بالحدود الإدارية التقليدية

ومع ذلك فإن جيل زد هو مستقبل استدامة المؤسسات ولذلك فإن التكيف مع خصائصه سيحدد قدرة هذه المؤسسات على البقاء في المستقبل

وفي المقابل يمتلك هذا الجيل قدرة كبيرة على بناء علاقات تتجاوز الحدود العرقية والوطنية والدينية وهو ما يجعله عنصرًا مهمًا في مستقبل الإنتاج العالمي

لذلك يجب أن تلعب الحكومة دور الجسر فلا ينبغي أن تركز السياسات العامة فقط على توفير الوظائف بل على بناء منظومات قائمة على المشاريع

فالرأسمالية الشبكية تتطلب مرونة عالية وجيل زد هو محركها الأساسي

لكن من دون وجود حماية اجتماعية قادرة على استيعاب طبيعة العمل القائم على المشاريع فإننا سنواجه ارتفاعًا في معدلات البطالة بين الشباب المتعلم

في النهاية فإن فهم جيل زد لا يتعلق بالحكم على كسلهم أو اتهامهم بالسلبية بل يتعلق بإدراك أن وعود الاستقرار الوظيفي القديمة قد انتهت

نحن أمام عصر تُعاد فيه كتابة الهوية باستمرار وجيل زد هو القلم الأول في كتابتها

نُشرت هذه المقالة في عمود الرأي في صحيفة كومباس يوم الاثنين (13/4/2026).