الانسجام بين الدين والبانكاسيلا
ناصر الدين عمر
(أستاذ علم التفسير بكلية أصول الدين في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا، ووزير الشؤون الدينية في جمهورية إندونيسيا)
تُشَبَّهُ العلاقة بين الدين و«بانتشاسيلا» بعلاقة ثنائيٍّ متكاملٍ يُعزِّز بعضُه بعضًا. فكلاهما مطالبٌ بأن يقدّم التنوير لجميع أبناء الأمة دون استثناء.
ولا يمكن وضع الدين و«بانتشاسيلا» في موضع تقابل أو تعارض. إذ ينبغي للدين أن يُنير أتباعه ليكونوا قادرين على قبول القيم النبيلة لـ«بانتشاسيلا» وتقديرها. وفي المقابل، يجب أن تكون «بانتشاسيلا» قادرةً على حماية جميع أتباع الأديان، بما في ذلك المواطنين الذين يختارون عدم الانتماء إلى دينٍ معيّن أو يعتنقون معتقداتٍ تقليدية.
ويُوجَّه الدين لدعم أهداف الدولة دون إهمال مبادئه الأساسية. وفي إطار دولة جمهورية إندونيسيا الموحّدة، أثبت هذا الدور فاعليته على مدى عقود. إذ يستطيع الدين الإسهام في تحقيق أهداف الدولة دون أن ينفي جوهر تعاليمه، بل إن التعاليم الدينية تُستخدم لتسريع تحقيق أهداف الدولة وبناء الإنسان الإندونيسي المتكامل.
كما يعد الدين أتباعه بالطمأنينة والسلام والحكمة والعدالة والاستقرار. غير أن ذلك لا يتحقق إلا إذا مُنح الدين دورًا فعّالًا في تقديم التنوير لأتباعه.
وتبقى الإشكالية المطروحة: من المسؤول عن تفعيل وظيفة التنوير الديني في المجتمع؟ إن فاعلية الدين في التنوير تُقاس بمدى دور ومشاركة القيادات الدينية وأتباعها. فإذا ازداد اندماج الدين مع أتباعه، دلّ ذلك على فاعلية التنوير. أما إذا اتسعت الفجوة بينهما، فذلك مؤشر على ضعف هذه الفاعلية، خاصة إذا وُضِعت القيم الدينية وقيم الدولة في حالة تقابل، وهو ما يشير إلى خللٍ في المفاهيم الأساسية التي وضعها الآباء المؤسسون.
ويمكن كذلك قياس الظواهر الاجتماعية من خلال المقارنة بين ما يقوله الدين وما يطبّقه أتباعه، ومدى انسجام ذلك مع البرامج المنصوص عليها في دستور 1945 أو في مصادر التشريع الأخرى.
فإذا استمر التعارض، كأن تتناقض برامج التنمية مع التعاليم الدينية، أو بالعكس، فإن ذلك يكشف عن مشكلة مفاهيمية ينبغي معالجتها على الفور، وإلا فإن هذا التعارض قد يتحول إلى صدامٍ يربك المجتمع.
وفي الواقع، تبرز اليوم ظاهرة غير مُرضية، تتمثل في وجود تناقضٍ في العلاقة بين الدين وأتباعه. فرغم ازدياد مظاهر التدين، إلا أنها لا تُواكَب بعمقٍ في الفهم والاستيعاب. ونتيجة لذلك، يظهر ما يُعرف بازدواجية الشخصية (Split Personality) لدى المتدينين، خاصة في أوساط المسلمين.
وغالبًا ما يجد المسلمون أنفسهم عند مفترق طرق. ففي المجال الديني، يبدو الدين وكأنه شديد الدوغمائية، بينما الواقع الاجتماعي يتسم بالعقلانية. ويُنظر إلى الدين على أنه مُقيِّد، في حين أن الحياة اليومية تتسم بالتحرر.
كما يُنظر إلى الدين على أنه موجَّه نحو الماضي، في حين أن البيئة المهنية تتجه نحو المستقبل. وتبدو المؤسسات الدينية محافظة، بينما بيئة العمل متطورة. وتُوصف القيم الدينية بالجمود، في مقابل عالمٍ عمليٍّ ديناميكيٍّ ومتغير. ويُصوَّر الشعور الديني بأنه تقليدي، بينما الحياة الاجتماعية اليومية حديثة.
وتُعتبر الدراسات الدينية ذات طابعٍ نصّي، في حين أن الدراسات العامة ذات طابعٍ سياقي. كما تبدو المناهج الدينية أقرب إلى الأسلوب الاستنباطي الكيفي، مقابل المناهج الاجتماعية التي تعتمد على الأسلوب الاستقرائي الكمي.
ويرى عالم الأنثروبولوجيا كليفورد غيرتز أن هذه الازدواجية قد تؤدي إلى عدة احتمالات، منها إصلاحات متفرقة أو تدريجية، أو إصلاحات جذرية/ليبرالية، أو عودة إلى النزعة الأصولية، أو حتى نزعات متطرفة، وقد تصل إلى الإرهاب، أو حالة من الانفصال عن الواقع.
وقد نُشر هذا المقال في صحيفة «كومباس» يوم الأربعاء، 18 مارس 2026.
