استراتيجية التوريد لقطاع التعدين وبنك السبائك
محمد نور ريانتو العارف
(أستاذ في جامعة شريف هداية الله الإسلامية،
الأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لجمعية الأساتذة الإندونيسيين،عضو إدارة الجمعية الإندونيسية للاقتصاد الإسلامي،
عضو جمعية الاقتصاديين الإندونيسيين – فرع جاكرتا)
في السنوات الأخيرة، أصبحت أجندة تعميق معالجة الموارد الطبيعية إحدى الاستراتيجيات الرئيسية للتنمية الاقتصادية في إندونيسيا. وتسعى الحكومة إلى ضمان ألا تُصدَّر الثروات الطبيعية في شكل مواد خام فقط، بل تُعالَج داخل البلاد لتوليد قيمة مضافة أكبر للاقتصاد الوطني.
وخلال هذه الفترة، تم التركيز على تعميق المعالجة في سلع مثل النيكل والبوكسيت والنحاس. غير أن هناك مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية، وهو الذهب.
وباعتبار إندونيسيا من الدول التي تمتلك احتياطيات كبيرة من الذهب، فإن لديها فرصة لتطوير صناعة الذهب بشكل أكثر تكاملاً، بدءاً من قطاع التعدين وصولاً إلى القطاع المالي. وفي هذا السياق، برزت فكرة “بنك السبائك” (Bullion Bank)، وهو مؤسسة مالية تقدم خدمات قائمة على الذهب مثل الادخار بالذهب، والتمويل القائم على الذهب، وتداوله.
وفي فبراير 2025، أطلقت الحكومة الإندونيسية رسمياً خدمات بنك السبائك التي تديرها مؤسسات مالية مثل شركة “بيغاداين” وبنك الشريعة الإندونيسي، بعد حصولها على ترخيص من هيئة الخدمات المالية. ويُتوقع أن يسهم هذا البنك في تعزيز منظومة الذهب الوطنية، وتقليل الاعتماد على واردات الذهب، ودعم تعميق صناعة التعدين محلياً.
ولا يقتصر دور بنك السبائك على الابتكار المالي، بل يمكن أن يكون جزءاً من استراتيجية تعميق قطاع التعدين. وإذا أُدير بشكل جيد، يمكن أن يكون أيضاً أداة متوافقة مع مبادئ الاقتصاد الإسلامي، خاصة في تحقيق العدالة وتعظيم المنفعة العامة في إدارة الموارد الطبيعية.
تُعد إندونيسيا من الدول ذات الإمكانات الكبيرة في مجال الذهب على مستوى العالم، حيث تشير البيانات إلى أن احتياطياتها تبلغ نحو 2600 طن، ما يجعلها من أكبر الدول في هذا المجال.
كما تضم إندونيسيا مناجم ذهب عالمية، منها منجم تديره شركة فريبورت في بابوا، إضافة إلى مناجم أخرى تابعة لشركة “أنتام”.
غير أن هذه الإمكانات الكبيرة لا تنعكس دائماً في القيمة المضافة للاقتصاد الوطني، إذ غالباً ما يُعامل الذهب كسلعة تعدين فقط، ويتم تصديره أو تداوله دون تحقيق أقصى قيمة ممكنة محلياً.
وهذا يعكس مفارقة تعاني منها العديد من الدول الغنية بالموارد، حيث تتوفر الثروات الطبيعية، لكن فوائدها الاقتصادية لا تصل بالكامل إلى المجتمع. لذلك، تصبح سياسات التعميق ضرورية لضمان امتداد سلسلة القيمة إلى ما بعد مرحلة الاستخراج.
وفي حالة الذهب، لا يقتصر التعميق على التكرير الصناعي، بل يشمل دمجه في النظام الاقتصادي والمالي. ففي الاقتصاد الحديث، لا تتولد القيمة المضافة في الإنتاج فقط، بل أيضاً في القطاع المالي.
ومن هنا تأتي أهمية بنك السبائك، بوصفه مؤسسة مالية تدير الأنشطة الاقتصادية القائمة على الذهب، من التخزين إلى التمويل والتداول، مما يدمج الذهب في نظام الوساطة المالية.
وبذلك، يمكن اعتبار بنك السبائك بنية تحتية مالية لتعميق صناعة الذهب. فإذا كان المصهر يحول المعدن إلى منتج صناعي، فإن بنك السبائك يدمجه في الاقتصاد الأوسع، مما يطيل سلسلة القيمة ويعزز استخدامه في الأنشطة الإنتاجية.
وتُظهر الدراسات أن القيمة الإجمالية لسلسلة أعمال الذهب في إندونيسيا قد تصل إلى نحو 482 تريليون روبية سنوياً، تشمل التعدين والتكرير وصناعة الحلي والتجارة والاستثمار.
وإذا تم إدارة هذه المنظومة بشكل متكامل، يمكن أن تسهم بشكل كبير في الاقتصاد الوطني، بل وقد ترفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 245 تريليون روبية وتوفر أكثر من 1.8 مليون فرصة عمل.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الذهب ليس مجرد سلعة تعدين، بل مصدر نشاط اقتصادي واسع، بشرط تعزيز سلسلة القيمة من المنبع إلى المصب.
وفي الاقتصاد الإسلامي، يحتل الذهب مكانة مهمة، حيث استُخدم منذ القدم كوسيلة تبادل في شكل الدينار، بينما استُخدمت الفضة في شكل الدرهم.
غير أن الإسلام لا ينظر إلى الذهب فقط كوسيلة تبادل، بل كأمانة يجب إدارتها بعدل لتحقيق المصلحة العامة، وهو ما يتوافق مع مقاصد الشريعة.
ومن هذا المنطلق، يجب ألا يقتصر التعامل مع الذهب على الاستخراج، بل يجب توظيفه لتحقيق منافع اقتصادية أوسع عبر الصناعة والتجارة والقطاع المالي.
ويُعد بنك السبائك أداة مناسبة لتحقيق ذلك، إذ يحول الذهب من أصل جامد إلى عنصر نشط في الاقتصاد.
كما يفتح المجال لتطوير أدوات مالية إسلامية قائمة على الذهب، في ظل نمو قطاع التمويل الإسلامي في إندونيسيا.
ومن خصائص المجتمع الإندونيسي ارتفاع الاهتمام بالذهب كأداة ادخار، حيث يحتفظ الكثيرون به في المنازل، مما يجعله غير مستغل اقتصادياً.
ويمكن لبنك السبائك دمج هذا الذهب في النظام المالي، ليصبح مصدراً للتمويل، وهو ما يتماشى مع مبدأ تداول الأموال في الاقتصاد الإسلامي.
ورغم هذه الإمكانات، يواجه تطوير بنك السبائك تحديات عدة، منها تقلب أسعار الذهب، والحاجة إلى تنظيم قانوني متكامل، ومخاطر المضاربة.
وفي الاقتصاد الإسلامي، يجب تجنب الغرر والميسر، لذا يجب أن تُدار هذه المؤسسات وفق ضوابط شرعية واضحة.
يمثل بنك السبائك ابتكاراً يهدف إلى تحويل الذهب من مخزون ساكن إلى عنصر اقتصادي نشط، مما يعزز تعميق صناعة التعدين.
غير أن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب نهجاً شاملاً يشمل تطوير التعدين، وبناء المصاهر، وتعزيز الأسواق المالية.
وفي المنظور الإسلامي، يجب أن يهدف استثمار الذهب إلى تحقيق العدالة والمنفعة العامة. وإذا أُديرت هذه الاستراتيجية بشكل جيد، يمكن لإندونيسيا أن تصبح مركزاً مهماً لتجارة الذهب في آسيا.
وفي النهاية، لا يُقاس نجاح هذه السياسة بكمية الذهب المستخرج، بل بحجم القيمة الاقتصادية والفوائد الاجتماعية التي تحققها للمجتمع.
وفي هذا الإطار، يمكن أن يكون بنك السبائك أداة مهمة نحو اقتصاد وطني أكثر سيادة وشمولاً وعدالة.
نُشر هذا المقال في CNBC Indonesia يوم الثلاثاء، 17 مارس 2026.
